فرصة لطالما حلمت بها، دولة خليجية، وظيفة مدير، راتب ضخم وسكن خاص وسيارة، حين تتحقق الأحلام كافة دفعة واحدة، يا إلهي، سأصير ثريًا! بعد سنوات الصحافة العجاف، التي داويتها بالـCareer shifting، حين التحقت بشركة كبرى حظيت فيها بفرصة التعلم كطفل يتلمس طريقه في سنواته الأولى…
صدفة جمعتني بذلك المواطن الخليجي في ألمانيا، خلال رحلة عمل، احتاج إلى مساعدة فساعدته، فلم يرد على المساعدة بشكر أو امتنان، بل بعرض عمل في شركته! رفضت وقتها، وطلبت منه احترام شركتي التي كان يقف آنذاك في جناحها بأحد المعارض، شكرته على عرضه ورفضت دون الخوض في تفاصيله…
مر ما يزيد قليلاً عن سنة، كنا فيها على تواصل كأصدقاء، أصدقاء فقط، وفي يوم بارد من أيام ديسمبر، أعاد الصديق الخليجي عرضه، وغلّف العرض بمبلغ استعصى على أذني استيعابه، هل توجد هذه الرواتب في الواقع؟!
كان العرض يساوي عشرة أضعاف ما أتقاضاه، لم يترك لي أي فرصة، لم أرَ سوى ورق البنكنوت يتراقص أمام عينيّ، وحلم السيارة الألمانية الفارهة، والشقة ذات “التراس” الكومباوند، ورصيد البنك سداسي الأصفار، وقررت خوض التجربة، متناسيًا أي عوامل أخرى، أردت الثراء، واعتبرته حقًا أصيلاً أحصل عليه بعد سنوات من الصبر والاحتساب!
مرّ كل شيء بعد ذلك سريعًا، بل مهرولاً في الواقع، فجأة وجدت أن الإجراءات انتهت، وتذكرة الطيران حُجزت، مهلاً، سأسافر غدًا! لم هذا التعجل، لماذا لم يتعقد الأمر ويتأخر كحال كل شيء في بلادنا؟
وقفت على باب صالة المطار لأشعر- لأول مرة- بأنني لا أريد الصعود على متن تلك الطائرة، رغم أنني مغرم- بل قل متيم- بلحظة الإقلاع، تلك اللحظة التي تُسحب فيها روحك ويزداد طنين أذنك بفعل تغير الضغط، ثم تتضاءل كافة المجسمات تدريجيًا، إلى أن تجد نفسك سابحًا وسط السحاب… طردت هذا الشعور من دماغي (لا أريد أن أفاجئك لكن الشعور محله الدماغ، فالقلب لا يعدو كونه مضخة للدم)، وظللت أذكِّر ذاتي بأصفار حساب البنك، والسيارة الألمانية الفارهة، وتراس شقة الكومباوند…
أقلعت الطائرة، وللمرة الأولى لا أشعر بحماسة الإقلاع التي ذكرتها سلفًا، ربما كان الطيار محترفًا للغاية لدرجة ألا يشعر الركاب بالإقلاع، ربما هو القلق الطبيعي تجاه أي تجربة جديدة، أو ربما… ربما أفتقدت مكاني، شركتي، زملائي ومدرائي ومرؤوسي على حد سواء، مهلاً، أين أمي؟ كيف لم أفكر في ذلك، وأنا الذي لا أتحمل الابتعاد عنها أكثر من أسبوع!
هبطت الطائرة، انتهت الإجراءات بأسرع مما تمنيت، لماذا لم يكشفوا على جوازي؟ ربما أكون مجرمًا، ربما أستحق الترحيل لكوني أقصر من اللازم، ألا تعلمون؟ لقد كنت صحفيًا وانتقدت زعيمكم المفدى يومًا ما، هلا عاقبتموني بالرحيل فضلاً!
لم يدر في رأسي غير ذلك، لا أدري لم توقف البنكنوت عن التراقص، “هل فقدت شغفي تجاه السيارة والتراس بهذه السرعة؟“، سألت نفسي، لم أرد وقتها شيئًا إلا أن أعود أدراجي، انقبض صدري حتى شعرت بأنه سينفجر من الداخل كغواصة الأثرياء تلك، لكني تماسكت، وخرجت لأجد السائق في انتظاري، حاولت أن أهون على نفسي، على الأقل صار لديك سيارة وسائق، ألم تحلم بذلك دومًا؟
وصلنا الفندق الذي حجزوا غرفة به لأجلي لحين الانتهاء من تجهيز السكن وتأثيثه، لم أنم ليلتي الأولى رغم الإرهاق، واعتبرت ذلك أمرًا طبيعيًا، ولم أذق الطعام بالتأكيد، ولكني اعتبرت أن ذلك من تأثير وجبة الطائرة- التي لا تشبع طفلاً في الثالثة من عمره.
حين جاء الصباح، ارتديت ملابس رسمية ونزلت لأجد السائق في انتظاري، تمنيت أن يكون الطريق طويلاً، لم أرغب في الوصول إلى الشركة أبدًا، بل إن جزءًا مني تمنى أن نتعرض لحادث ما يمنعنا من الوصول، أو ينهي حياتي على الفور فلا أشعر بما يختلجني من مشاعر تفتك بي، دون أن أجد لها تفسيرًا!
دخلت مكتبي، كل شيء فيه جديد، أبلغوني بأنهم أعادوا تأثيثه لأجلي خصيصًا، لكني، ودون أدنى علة، مقتُّ كل ما فيه، المكتب، المقاعد، الإضاءة، أكواب القهوة وريموت المكيف! كرهته ولم أرغب في البقاء به لحظة واحدة!
بدأت ملامح المشاعر التي تسيطر عليّ تتضح رويدًا رويدًا، إنه اشتياق، اشتياق حد الجنون، أسرتي أولاً، أمي قبل الجميع، أخوتي، والدي، ثم وطني، افتقدت كل ما شكوت منه مرارًا، الغبار، الرصيف المحطم، مركبات التوكتوك المزعجة، عربات القطارات المتهالكة، ثم عملي، شركتي التي تعلّمت بها كل شيء، وبنيت بداخلها أحلامًا تصورت أنها ستسافر معي،فأنا من بنيتها على أي حال، لكنها صدمتني وبقيت هناك، داخل ذلك المكتب الضيق، بين “رزم” الأوراق، وآلاف “الإيميلات” ومجموعات الواتساب… افتقدت لقبي الذي التصق بي طوال عامين وأكثر، لقبي الذي لطالما تململت منه وسخرت ممن يناديني به: “أستاذ مصطفى استيراد”!
مرّ أسبوع، تناولت خلاله وجبتين، ولم أذق طعم النوم سوى 6 ساعات متفرقة بين أيامه السبعة، وفي سابع الأيام، اتخذت القرار دون مثقال ذرة من تفكير في عواقبه، سأعود، وليذهب كل شيء إلى الجحيم، سأكتفي بسيارة صينية، إن استطعت شراءها، وسأمضي ما تبقى من عمري في “بيت البلد”، أستمتع برائحة البهائم التي تتبختر صباحًا في طريقها إلى الحقل، وأطرب أذني بصوت “موتور المياه” الذي يروي “الغيطان” من حولي، من قال إنني أرغب في شقة الكومباوند؟ ثم إنني لا أعلم أصلاً ما هو التراس!
اتخذت القرار، وأنهيت إجراءات العودة خلال ساعتين، حجزت طائرة، فاتتني لأسباب ما، فحجزت التالية بثلاث أضعاف ثمنها دون تردد، بعد ساعات من الانتظار أقلعت الطائرة، وأخيرًا شعرت بها مجددًا، تلك اللحظة التي تُسحب فيها روحك ويزداد طنين أذنك بفعل تغير الضغط، فتتضاءل كافة المجسمات تدريجيًا، إلى أن تجد نفسك سابحًا وسط السحاب… عائدًا- غير آسف- إلى غبار وطنك الحبيب وتكاتكه..





















