د.سلوى عثمان.. محاضر ومدرب الإعلام الاجتماعي
رئيس لجنة المرأة والطفل مؤسسة القادة لعلوم الإدارة والتنمية.
الأمين المساعد لأمانة المرأة المركزية بحزب العدل.
لم تعد وقائع التحرش داخل بعض المؤسسات التعليمية مجرد أحداث فردية يمكن التعامل معها باعتبارها استثناءات، بل باتت مؤشرًا خطيرًا يستوجب وقفة جادة من المجتمع بأكمله. فحين يُنتهك أمن الطفل داخل المدرسة، فإن الخلل لا يكون تربويًا فقط، بل مجتمعيًا وقانونيًا، لأن المدرسة تمثل أحد أهم مواقع الحماية والتنشئة، لا ساحة لانتهاك البراءة تحت أي مسمى.
التحرش بالأطفال جريمة مكتملة الأركان، تتجاوز آثارها حدود اللحظة، لتترك بصمات نفسية عميقة قد ترافق الضحية طوال حياته. ويزداد حجم الجريمة حين تُقابل بالصمت أو التبرير أو محاولات الاحتواء الإداري، وهي ممارسات لا تقل خطورة عن الفعل ذاته، لأنها تفتح الباب لتكراره وتُسهم في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب.
وتبرز هنا واحدة من أخطر الإشكاليات المرتبطة بهذا الملف، وهي ثقافة الخوف؛ خوف الطفل من عدم التصديق أو العقاب، وخوف الأسرة من الوصم الاجتماعي، وخوف بعض المؤسسات من المساءلة أو تشويه السمعة. هذه الدائرة المغلقة تُنتج بيئة آمنة للجاني لا للضحية، وتُفقد الطفل إحساسه بالعدالة والأمان في واحدة من أهم مراحل تشكيل وعيه.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تنجح دون الاعتراف بأن العقاب الفوري والرادع هو حجر الزاوية في أي حل حقيقي. فالمحاسبة يجب ألا تكون انتقائية أو مؤجلة، وألا تقتصر على الجاني المباشر فقط، بل تمتد إلى كل من تستر أو تقاعس أو أهمل في أداء واجبه الوظيفي أو القانوني. فالعدالة المتأخرة في قضايا الأطفال لا تُنصف الضحية، ولا تحمي غيرها من التكرار.
وتقع على الأسرة مسؤولية محورية في بناء جسور الثقة مع الأبناء، وتعليمهم أن أجسادهم ليست محل انتهاك، وأن الحديث عمّا يتعرضون له ليس عيبًا ولا خطأ. فكلما شعر الطفل بالأمان داخل أسرته، زادت فرص الكشف المبكر عن أي انتهاك، وتقلصت مساحة الصمت التي يعيش فيها الجناة.
أما المؤسسات التعليمية، فهي مطالبة بتجاوز منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية. ويتطلب ذلك سياسات حماية واضحة، وآليات إبلاغ آمنة وسرية، وتدريبًا حقيقيًا للعاملين على رصد السلوكيات المقلقة والتعامل معها باحترافية، بعيدًا عن المجاملات أو الحسابات الإدارية الضيقة. فالمؤسسة التي تحمي طلابها هي المؤسسة التي تحمي سمعتها على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور المحوري للإعلام، الذي يجب أن يتحمل مسؤوليته المهنية في تناول هذه القضايا بحساسية ووعي، يوازن بين حق المجتمع في المعرفة وحق الطفل في الحماية، بعيدًا عن الإثارة أو التشهير. الإعلام الواعي شريك أساسي في كسر الصمت، ونشر ثقافة الوعي، وترسيخ مفهوم المساءلة المجتمعية.
كما يبرز دور المجتمع المدني في تقديم الدعم النفسي والقانوني للأسر، وإطلاق حملات توعوية مستمرة، وممارسة ضغط مجتمعي يضمن عدم التراجع عن المحاسبة. في حين تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية إدراج حماية الطفل ضمن أولوياتها التشريعية والرقابية، باعتبارها قضية تتعلق بالأمن الاجتماعي ومستقبل الأجيال.
وتعزيزًا لهذا الطرح، لا بد من التأكيد على أن القوانين المصرية واضحة في تجريم أي شكل من أشكال التحرش أو الاعتداء على الأطفال داخل المؤسسات التعليمية أو خارجها، وتُحمّل المسؤولية الجنائية والإدارية لكل من يرتكب الفعل أو يُسهِم فيه بالتستر أو الإهمال. فالقانون لا يكتفي بمحاسبة الجاني المباشر، بل يمد نطاق المساءلة ليشمل المسؤول الإداري حال ثبوت التقصير في الإبلاغ أو اتخاذ الإجراءات الواجبة فور العلم بالواقعة. كما تُلزم القوانين الجهات المعنية باتخاذ التدابير العاجلة لحماية الطفل الضحية، وضمان سرية التحقيقات، ومنع أي ضغوط نفسية أو اجتماعية قد تمارس عليه أو على أسرته. ولا يترك القانون مجالًا للاجتهاد أو التأويل في قضايا تمس سلامة الأطفال، باعتبارها من الجرائم التي لا يجوز التصالح فيها أو التعامل معها باعتبارها خلافات إدارية قابلة للاحتواء.
وتظل الدولة، بوصفها الضامن الأول لحقوق الطفل، مطالبة بتفعيل القوانين القائمة وتطويرها عند الحاجة، وإنفاذها بسرعة وحزم، دون تمييز أو تهاون. فالدولة التي تحمي أطفالها اليوم، تبني مجتمعًا أكثر استقرارًا وعدالة غدًا.
إن قضية التحرش داخل المدارس ليست ملفًا يمكن إغلاقه ببيان أو احتوائه بإجراء إداري، بل اختبار حقيقي لضمير المجتمع وقدرته على حماية أضعف أفراده. فالأطفال لا يملكون قوة ولا نفوذًا، لكنهم يملكون حقًا أصيلًا في الأمان، وواجبنا جميعًا — إعلامًا، وتعليمًا، ومجتمعًا مدنيًا، وأحزابًا، ودولة — أن نكون صوتهم، وسندهم، وخط الدفاع الأول عن كرامتهم.
أطفالنا أمانة في أعناقنا جميعًا، وحمايتهم ليست خيارًا، بل واجب وطني لا يقبل التأجيل.





















