كتبت: سمر أبو الدهب
تُعد فكرة “مبادلة الديون بالأصول” من القضايا الاقتصادية الشائكة التي تثير جدلاً واسعاً في الأوساط المالية والسياسية، حيث تقوم هذه الآلية في جوهرها على تنازل الدولة المدينة عن ملكية بعض أصولها الحيوية سواء كانت شركات أو أراضي أو مرافق استراتيجية لصالح الجهات الدائنة مقابل شطب جزء من مديونياتها.
وبينما يراها البعض مخرجاً سريعاً لتخفيف أعباء خدمة الدين، يحذر خبراء الاقتصاد من مخاطرها الجسيمة على السيادة الاقتصادية وحقوق الأجيال القادمة، مؤكدين أنها تظل “معالجة محاسبية” لا تلمس جوهر الأزمة الهيكلية التي تعاني منها الموازنة العامة.
نرشح لك: “أبو الفتوح” لـ”الحرية”: سحب ألبان “نستله” إجراء احترازي يعكس صرامة الرقابة
وهم الحلول المحاسبية وضرورة الاستثمار المباشر
وفي هذا الصدد، قال هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، إن مشكلة مصر الاقتصادية الراهنة لا يمكن بأي حال من الأحوال التعامل معها من خلال القيود المحاسبية أو عبر آلية تبادل الأصول.
ويرى توفيق، خلال منشور له عبر صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، أن أي حل لا يتضمن في جوهره تحفيزاً حقيقياً للاستثمار المباشر -وليس مجرد بيع للأصول القائمة- هو حل يتسم بالساذجة؛ ذلك لأن الاستثمار المباشر هو الوحيد الكفيل بتحقيق التشغيل والإنتاج الفعلي، وزيادة حصيلة الدولة الضريبية، ورفع مستوى معيشة المواطنين بشكل مستدام.
وحذر من أن بيع الموارد سيعيد المديونية إلى وضعها الحرج الحالي بعد سنوات قليلة فقط، دون تحقيق إصلاح حقيقي.
خطورة السجال العلني حول الديون على ثقة المستثمر
وأوضح أن هناك محاذير هامة وخطيرة يجب الالتفات إليها، أولها أن الجدال المستمر والدائر بين رئاسة الوزراء وبعض الخبراء حول هذا الملف يمثل خطورة بالغة على جاذبية مصر الاستثمارية.
وتابع الخبير الاقتصادي، أن النقاش يؤثر سلباً على تدفق الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة، مثل أذون الخزانة والبورصة، ويهز نظرة المستثمر الأجنبي للسوق المصري؛ إذ لا يوجد مستثمر يرغب في ضخ أمواله في بلد يترك الحديث عن الإصلاح الهيكلي وإزالة معوقات الاستثمار، لينشغل طوال الوقت بمناقشة حجم الديون وخطورتها، أو يطرح مقترحات لمبادلة تلك الديون بأصول الدولة.
رفض التفريط في الأصول وصون أمانة الأجيال القادمة
واستطرد في تحليله معلناً رفضه القاطع، بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن قطاع عريض من المهتمين، لأي مقترحات تهدف لتسوية الديون عبر التفريط في الأراضي أو الشركات أو الموانئ والمطارات كتحذير ثانٍ شديد اللهجة.
واعتبر أن هذه الأصول ليست ملكاً للجيل الحالي ليتصرف فيها، بل هي أمانة يجب الحفاظ عليها لصالح الأجيال القادمة، مشدداً على أن التاريخ لن يرحم الجيل الذي يفرط في هذه المقدرات الوطنية تحت ضغط المديونية، خاصة وأن الحلول يجب أن تبحث في تعظيم القيمة وليس التنازل عن الملكية.
تحديد الهوية الاقتصادية وإرساء مبدأ وحدة الموازنة
ويرى الخبير الاقتصادي، في تحذيره الثالث أن صياغة هوية مصر الاقتصادية في المرحلة المقبلة تتطلب وضع أسس صارمة، تأتي في مقدمتها ضرورة انسحاب الدولة من المنافسة الاقتصادية لإفساح المجال للقطاع الخاص، مع التفعيل الحازم لمبدأ وحدة الموازنة.
وأردف أن هذه الخطوات يجب أن تسبق أي خطة أو سردية اقتصادية تحاول الدولة تسويقها، لتكون بمثابة الضمانة لشفافية الاقتصاد وكفاءته، مما يعيد الثقة في توجهات الدولة وقدرتها على إدارة مواردها بعيداً عن الحلول المؤقتة والمسكنات المالية.
خارطة طريق للإصلاح الهيكلي وتحقيق النمو الحقيقي
واختتم رؤيته بوضع المحذر الرابع وهو بمثابة خارطة طريق للحل المستدام، تقوم على محورين أساسيين؛ الأول هو السعي الجاد لإعادة جدولة الديون قصيرة الأجل وتحويلها إلى ديون طويلة الأجل، بهدف تخفيف الضغط المباشر على ميزان المدفوعات الذي بدأ يشهد تحسناً ملحوظاً مؤخراً.
وتابع: أما المحور الثاني والأهم، فهو الإصلاح الهيكلي الشامل وإزالة كافة المعوقات التي تواجه الاستثمار، بما يضمن زيادة دخل الدولة عبر “الاقتصاد الحقيقي” والإنتاج، وهو الطريق الوحيد لخفض معدلات الفقر والبطالة وسداد الديون من فوائض حقيقية، بعيداً عن الإجراءات المحاسبية العقيمة أو التفريط في موارد الوطن.























