مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي القادم، تتجدد الأسئلة المقلقة حول مستقبل الحياة السياسية في مصر، وفي مقدمتها: هل ما زالت قاعات البرلمان حبيسة القوى التقليدية وأصحاب النفوذ المالي، أم أننا على أعتاب لحظة نمنح فيها الشباب وأصحاب الفكر مكانهم الطبيعي في صناعة القرار؟
ما يجري على الأرض اليوم يكشف بوضوح أن المال لا يزال اللاعب الأكبر في اختيارات بعض الأحزاب وتوجهات بعض التحالفات، بينما تتراجع فرص الوجوه المؤهلة من الشباب وأصحاب الكفاءة، لمجرد أنهم لا يملكون “الدينار والدرهم”.
وهناك أمثلة كثيرة جدًّا في شوارع الجيزة، فهذه الدورة والتي سبقتها أيضًا كانت بين هشام محمد بدوي نجل النائب الأسبق محمد بدوي – رحمه الله – وبين أبو العنين، الذي انتصر فيها صاحب المال على صاحب الحلم.
إن المشهد الحالي يبعث على الأسى، ويضع علامات استفهام كثيرة حول المعايير التي تُبنى عليها قرارات الترشيح. لقد أصبحنا أمام خريطة انتخابية تُقصي أصحاب الفكر والمشروع، وتفتح الطريق أمام من يملك القدرة على الإنفاق لا القدرة على التشريع والرقابة.
وهذا الواقع المؤلم يجعلنا نقف في صفوف الحزانى على ما آل إليه الحال، بعدما كنا نأمل أن يكون البرلمان القادم أكثر عصرية، وأكثر تمثيلًا للشباب، وللفقراء والمهمّشين اقتصاديًّا الذين يحتاجون من يعبر عن وجعهم على مقاعد السلطة التشريعية.
لقد كنا نتمنى أن تدفع الأحزاب بوجوه شابة نابضة بالحياة، وأن تمنح الفرصة لمن يمتلك الفكر الاقتصادي والاجتماعي القادر على تقديم حلول حقيقية لمشكلات المواطن البسيط، تمامًا كما نرى في نماذج ناجحة من الخبراء المتخصصين، مثل الدكتور محمد فؤاد، وغيره من الكفاءات التي أثبتت أن السياسة ليست “رأس مال ماليًّا”، بل هي “رأس مال فكري” ومسؤولية وطنية قبل أن تكون مقعدًا تحت القبة.
الشباب اليوم ليسوا ديكورًا انتخابيًّا، بل طاقة كان يمكن أن تغيّر المعادلة لو أُتيحت لها المساحة. فهم الأقرب إلى لغة الشارع، والأسرع فهمًا لاحتياجات العصر، والأقدر على استيعاب ملفات المستقبل، من التحول الرقمي إلى الاقتصاد الحديث والتنمية المحلية.
ورغم ذلك، ما زالت النظرة التقليدية تضعهم في الصفوف الخلفية، وكأن البرلمان مكان يُورّث أو يُشترى، لا مؤسسة تُبنى على الكفاءة والإيمان بحق الوطن في التجديد.
الانتخابات ليست سباقًا ماليًّا، بل مسؤولية تشريعية وأمانة رقابية. وإذا استمرت الأحزاب في الدفع بالمال السياسي على حساب العقول الصادقة، فسنظل ندور في الحلقة نفسها: وعود بلا إنجاز، وخطاب بلا رؤية، وبرلمان لا يمثل روح المجتمع. وستنهار الدولة ومؤسساتها بسبب غضب الشعب تجاه ممثليه داخل الغرفتين: الشيوخ والنواب.
إن المطلوب اليوم ليس شعارًا، بل مراجعة شجاعة لقواعد الاختيار داخل الأحزاب، وإرادة حقيقية تمنح الشباب وأصحاب الفكر والمهمشين اقتصاديًّا فرصة عادلة. فالمجتمع لن ينهض بنواب يملكون “قدرة الدفع”، بل بنواب يملكون “قدرة الدفع إلى الأمام”.
إن مصر بحاجة إلى برلمان يضم صوت الشباب، وصوت الفقير الذي لا يملك إلا كلمته، وصوت الخبير الذي لا يبحث عن مجد شخصي، بل عن مستقبل وطن. هذا هو الأمل، وهذا هو الحق، وهذه هي الرسالة التي يجب أن تبقى حيّة مهما حاول المال أن يزوّر أولويات الواقع.
مساحة مفتوحة للشباب
وانطلاقًا من دوره المجتمعي ومسؤوليته الإعلامية تجاه دعم الوعي والمشاركة السياسية، يحرص موقع الحرية على إتاحة مساحات مفتوحة للشباب للتعبير عن آرائهم وأفكارهم بحرية ومسؤولية، إيمانًا بأن الكلمة هي الخطوة الأولى نحو التغيير.
ومن خلال مبادرات النشر التي يطلقها الموقع، تُمنح الفرصة للأصوات الجديدة لتقديم رؤيتها حول القضايا الوطنية والاجتماعية والسياسية، بما يعزز حضور الشباب في المجال العام ويمكّنهم من المساهمة الفاعلة في صياغة مستقبل الوطن.





















