في زوايا هذا العالم المترنّح بين العَوَز والديون، يقف صندوق الفقر الدولي — ذاك الكائن العجيب الذي يزور الدول كما يزور الجراد الحقول: لا يغادر إلا بعد أن يأكل الأخضر واليابس، ويترك وراءه وعدًا جديدًا “بالإصلاح”!
في البدء كان “صندوق النقد الدولي”، ثم اكتشفنا، متأخرين كعادتنا، أن الاسم كان مجازيًا أكثر مما ينبغي.
فالنقد لم يكن إلا قناعًا للفقر، والإنقاذ لم يكن إلا رحلة منظمة إلى قاع الديون.
ومنذ ذلك الحين، صار من الأنسب أن نُطلق عليه اسمه الحقيقي: صندوق الفقر الدولي، المؤسسة التي تجيد صناعة الفقر كما تُجيد البنوك إصدار الشيكات.
لقد استبدل الاستعمار القديم بندقيته بـ” قرضٍ مشروط”، وبدّل الجيوش بمكاتب استشارية تُدعى ” بعثات الصندوق” إنه استعمار ناعم، لا يرفع علمًا ولا يحتل أرضًا، لكنه يحتل الإرادة، ويملي القوانين المالية والنقدية كما تملي المعاهدات المهينة في الحروب.
حين يصبح الفقر سياسةً نقدية
الدول الفقيرة — أو كما يسميها الصندوق بلطفٍ دبلوماسي “الدول ذات الدخل المحدود” — تدخل إليه كما يدخل المريض غرفة العمليات، تائهًا بين أمل النجاة وخوف الفقد.
لكن الطبيب هنا ليس رحيمًا؛ إنه جراح رأسمالي بلا تخدير.
يبتسم وهو يوقّع على الوصفة: ” رفع الدعم عن الطاقة والغذاء، تحرير العملة لتتهاوى قيمتها أمام الدولار، خصخصة القطاع العام تحت شعار الكفاءة،زيادة الضرائب غير المباشرة التي لا تُرهق الأغنياء بل الفقراء.”
رفع الدعم عن الطاقة والغذاء، تحرير العملة لتتهاوى قيمتها أمام الدولار، خصخصة القطاع العام تحت شعار الكفاءة،زيادة الضرائب غير المباشرة التي لا تُرهق الأغنياء بل الفقراء.
وما أن تنفّذ الدولة التعليمات، حتى يبدأ النزيف الاقتصادي، وتتحول “الإصلاحات” إلى حفلة فقر جماعي يشارك فيها الجميع إلا الأثرياء.
تصبح الدولة موظفًا في شركةٍ كبرى اسمها الاقتصاد العالمي، مهمتها جمع الضرائب وسداد الفوائد، بينما تُدار مواردها من الخارج.
ولأن الصندوق لا يثق في البشر، يفرض عليهم وصاية مالية أشبه بالحَجر القانوني على القُصّرتُرسل بعثاته إلى العواصم لتفتّش الموازنات كما يفتّش المحقق الجنائي مسرح الجريمة.
ثم يعودون إلى واشنطن بابتسامة باردة، معلنين: “الدولة التزمت بالإصلاحات بنجاح، لكن المواطن يحتاج إلى مزيد من الصبر.”
ذلك الكيان الذي يصف نفسه بأنه “صندوق النقد الدولي”، لا يوزع النقد بقدر ما ينثر الفقر، ولا يزرع التنمية بقدر ما يحصد السيادة.
الفقر كسياسة دولية
من المفارقات أن الصندوق لا يموّل التنمية بقدر ما يؤسس لإدارة الفقر.
يمنح القرض الصغير ويطالب بفوائد كبيرة، فيُذكّرك بمرابي الحي الذي يُقرضك ليُفلسك. وحين تفشل خططك — كما هو مُخطّط — يقول لك بوجهٍ بارد:
في القانون، هناك ما يُعرف بـ العقود المرهقة التي تُجيز فسخ الالتزام إذا أصبح التنفيذ مستحيلًا.
لكن في اتفاقيات صندوق الفقر الدولي، لا وجود للإرهاق، ولا للاختيار.
الطرف الأضعف – أي الدولة – يوقّع مكرهًا، تحت وطأة الحاجة، ثم يُحاسَب على عجزه كما يُحاسَب المجرم على الجريمة التي أُجبر على ارتكابها.
كانت الأرجنتين يومًا جوهرة أمريكا اللاتينية، فاستمعت إلى وصايا “الصندوق”؛ قلّصت الإنفاق، وحرّرت العملة، وخصخصت كل شيء حتى الهواء، ثم استيقظت على تضخمٍ تجاوز الخيال، وكانت النتيجة تضخمًا انفجاريًا واحتجاجات حارقة، وانتهى المشهد بدولة تبيع سيادتها على دفعات.
حين دخل الصندوق اليونان ، كانت تشبه مريضًا يُعاني الزكام، فخرجت منه وهي على أجهزة التنفس الصناعي الاقتصادي.
تجربة غانا مثلًا، حين استسلمت لبرامج الصندوق في الثمانينيات، انتهت ببيع الشركات الوطنية وتسريح عشرات الآلاف.
وفي تونس، جعلت القروض المتتالية من “الربيع الاقتصادي” خريفًا اجتماعيًا يطحن الطبقة الوسطى.
أما في السودان، فقد حوّلت وصفات الصندوق “الإصلاح” إلى تضخّمٍ تجاوز مئات النقاط، حتى صار الجنيه السوداني يلهث وراء الدولار كما يلهث العطشان وراء السراب.
أما مصر، فقد وُضعت على طاولة الجراحة الاقتصادية بشروطٍ وُصفت في الشارع بأنها ” شيطانية”، فاختفت الطبقة الوسطى كما يختفي الضوء عند غروب الشمس، وبات المواطن يسأل: هل كان الفقر قدرًا أم اتفاقًا؟
إن شروط الصندوق، بوجهها القانوني، تُخالف مبدأ الإنصاف في العلاقات المالية الدولية، وتُكرّس ما يمكن وصفه بـ “التمييز المالي المؤسسي” بين الدول.
فالفقر هنا ليس عرضًا جانبيًا، بل سياسة مقصودة، تُبقي الشعوب في دوامة الاقتراض والتقشف، لتظل خاضعة وخائفة، تلهث وراء “الاستقرار” الذي لا يأتي.
فهو يطالب الفقير بما لا يطالب به الغني، ويفرض على الدول النامية إجراءات لا تجرؤ على اقتراحها في أوروبا أو أميركا اللاتينية الجديدة.
حين يصبح القانون شاهدًا على الجريمة
من الناحية القانونية، فإن اتفاقيات الصندوق عقود إذعان دولية بكل معنى الكلمة؛ تفتقد الندية، بل إن بعض فقهاء القانون الدولي الاقتصادي وصفوا تلك الاتفاقات بأنها “إملاءات ذات طابع استعماري مالي” لأنها تفرّغ سيادة الدولة من مضمونها.
فما معنى أن تملك دولة دستورًا يُقرّ العدالة الاجتماعية، ثم تخضع لبرنامجٍ ينسف هذه العدالة باسم الاستقرار المالي؟
ربما كان الأجدر أن نضع على مبنى الصندوق في واشنطن لافتة تقول: “هنا يُدار العالم بميزانية من الديون، وهنا يُصنع الفقر بأدواتٍ مالية دقيقة”.. وللحديث بقية دمتم سالمين.





















