لم يكن حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي أثناء احتفال عيد الشرطة الرابع والسبعين عن استخدام الهواتف المحمولة بين الأطفال والمراهقين مجرد تعليق عابر، بل هو إشارة سياسية واضحة إلى تحدٍ رقمي وطني يتطلب استجابة سريعة ومنظمة.
فحين طالب الرئيس الحكومة والبرلمان بالنظر في تجارب دول مثل أستراليا وإنجلترا، لم يقصد التقليد الأعمى، بل استدعاء نموذج للتخطيط الاستراتيجي الذي يجمع بين الحماية القانونية والتنظيم الذكي للبيئة الرقمية، بما يوازن بين حق الطفل في التعلم والتفاعل الرقمي وبين حاجته للحماية من المخاطر النفسية والاجتماعية.
التحدي الأكبر أمام الدولة هو أن الهواتف الذكية لم تعد أدوات ترفيه فحسب، بل منصات تشكل وعي الطفل، أحيانًا قبل أن يكون وعي الأسرة مستعدًا للتوجيه والإشراف.
لذا، فإن أي تشريع يجب أن يبدأ من رؤية وطنية واضحة تحدد الأهداف: الحد من الإدمان الرقمي، حماية الأطفال من المحتوى الضار، وتعليم استخدام الإنترنت بوعي. هذا يتطلب تحديد الفئات العمرية بدقة، بحيث لا يُعامل الطفل في سن العاشرة مثل المراهق في السادسة عشرة، مع مستويات متدرجة من القيود والسياسات المناسبة لكل مرحلة عمرية.
على صعيد التشريع العملي، هناك عدة عناصر يمكن أن تشكل أساس أي قانون متوازن، أولاً، يجب تحميل شركات التكنولوجيا جزءًا من المسؤولية، سواء منصات التواصل الاجتماعي أو شركات الاتصالات، من خلال آليات تحقق عمرية فعالة، وإعدادات خصوصية افتراضية مشددة للأطفال، وإلزامها بعدم السماح للقاصرين بالوصول إلى المحتوى الضار أو إنشاء حسابات دون السن القانوني.
ثانيًا، يجب ربط الحظر أو القيود بسياسات تربوية موازية، بحيث يصاحبها أدوات تعليمية بديلة، وتدريب للمعلمين، ودمج مفاهيم المواطنة الرقمية والوعي التكنولوجي في المناهج، حتى لا يصبح القانون إجراء شكليًا بلا أثر حقيقي على سلوك الأطفال.
أيضا تمكين الأسرة يشكل محورًا أساسيًا لأي تشريع. لذا، فيجب أن يضمن القانون حق ولي الأمر في الإشراف الرقمي، وتوفير أدوات رسمية للرقابة الأبوية، وبرامج توعوية تساعد الأسرة على التعامل مع التكنولوجيا كمسؤولية تربوية مشتركة، لا عبئًا فرديًا أو وصاية صارمة.
هنا يأتي التحدي في صياغة نصوص قانونية واضحة تسمح للأسرة بالتحكم بشكل فعال، مع مراعاة خصوصية الطفل وحقه في التعلم والاكتشاف الرقمي ضمن بيئة آمنة.
أخيرًا، إسناد الملف إلى المجلس القومي للأمومة والطفولة بعد تعديل القانون المنظم له رقم ١٨٢ لسنة ٢٠٢٣ بما يضمن استدامة الرقابة والمراجعة، توسيع اختصاصات المجلس ليشمل البيئة الرقمية يمكّنه من متابعة أثر استخدام وسائل التواصل على الأطفال، وتلقي الشكاوى المتعلقة بالمحتوى الضار، والتنسيق مع الوزارات والهيئات الرقابية، واقتراح سياسات وتعديلات تشريعية دورية مواكبة للتطور التكنولوجي.
هذه الخطوة توفر كيانًا قانونيًا موحدًا وشرعيًا يدير الملف الرقمي للطفل، بدلاً من إنشاء هيئات جديدة قد تزيد التعقيد الإداري.
في ضوء هذه الاعتبارات، يصبح توجيه الرئيس السيسي أكثر من مجرد تصريح: إنه خارطة طريق للحكومة والبرلمان لصياغة قانون متكامل، يوازن بين الحرية والأمان، ويرسم مستقبلًا رقميًا آمنًا للأطفال.
التشريع المصري في هذا المجال يجب أن يكون وقائيًا وتمكينيًا، لا عقابيًا أو شكليًا، بحيث يجهز الطفل لمواجهة التحولات الرقمية بثقة ومعرفة، ويجعل من التكنولوجيا أداة دعم للنمو لا مصدر خطر دائم.



















