في هذه اللحظة الفاصلة من عمر بيت الأمة، يبدو المشهد الانتخابي مختلفاً عن كل ما سبق، لم تعد المنافسة ترفاً ديمقراطياً، ولا مباراة في البلاغة لاستدعاء أرواح الزعماء الخالدين، بل تحول الأمر إلى “مهمة انتحارية” تتطلب نوعاً خاصاً من الرجال؛ رجالاً يدركون أنهم لا يسعون إلى وجاهة مقعد، بل يتقدمون للجلوس على فوهة بركان مالي وإداري يوشك أن ينفجر.
إن الواقع العاري الذي يهمس به الجميع في الغرف المغلقة، يفرض على أي طامح في الرئاسة أن يراجع نفسه ألف مرة قبل أن يخطو خطوة واحدة للأمام، وأن يتلافى “الخطايا السبع” التي قد تودي به وبما تبقى من الحزب:
أولًا: خطيئة “الخطابة في زمن الإفلاس”
لقد ولى زمن إدارة الأحزاب بالحناجر. على المرشح أن يدرك أن أعتى الخطب العصماء لن تدفع فاتورة كهرباء متأخرة، ولن تسدد رواتب صحفيين وموظفين يئنون تحت وطأة الغلاء. الخطر الأكبر هو أن يتقدم للمنصب من لا يملك في جيبه -أو في خطته الاقتصادية الملموسة- ما يغطي العجز الشهري المخيف من اليوم الأول.
إن الاعتماد على “سوف نرى” أو “سوف نجمع التبرعات” هو قفزة في المجهول؛ فالخزينة لا تحتمل التجريب.
ثانياً: وهم “الوديعة” والحلول السهلة
أي مرشح يضع عينه على “الرصيد الاستراتيجي” للحزب (الوديعة) كحل لسد نفقات التشغيل، هو في الحقيقة يكتب شهادة وفاة الحزب اقتصادياً. الحكمة تقتضي أن يعتبر هذا الرصيد “خطاً أحمر” مقدساً، وأن يمتلك الجرأة لتدبير الموارد من خارج الصندوق، لا من “لحم الحي”، من لا يملك القدرة على خلق المال، لا يحق له إدارة المال.
ثالثاً: فخ “العزف المنفرد” وتهميش المؤسسة
لقد عانى هذا الكيان طويلاً من داء “الرجل الواحد”، الخطيئة التي يجب تلافيها هي التعامل مع اللائحة الداخلية كعجينة تشكل حسب الهوى، وتهميش أمناء الصندوق والسكرتارية العامة.
الوفد مؤسسة ليبرالية، وقوته في مؤسسيته لا في فردية رئيسه، من يظن أنه “سوبرمان” قادر على الإدارة بمفرده سيسقط سريعاً؛ فالأعباء أثقل من أن يحملها كتف واحد، والنجاح مرهون بإعادة الصلاحيات لأصحابها لا احتكارها.
رابعا: معضلة الصحيفة.. بين “المشرط” و”المقصلة”
هذا هو الملف الأكثر إيلاماً. على المرشح أن يحذر من الوقوع في فخ العواطف القاتلة أو القسوة المفرطة. استمرار النزيف المالي للصحيفة دون خطة تغطية هو انتحار، ولكن التحول الرقمي أو الإغلاق دون ضمان حقوق العاملين ومعاشاتهم هو “جريمة أخلاقية”. المرشح الحكيم هو من يملك شجاعة اتخاذ القرار الصعب، ممزوجة بإنسانية توفير البدائل والتعويضات. من لا يستطيع تأمين مستقبل أبناء المؤسسة، لا يستحق أن يقودهم.
خامسا: بيع “الهوية” في سوق الانتخابات
الحذر كل الحذر من تحويل الحزب إلى مجرد “محلل” لمرشحين من خارج البيت الوفدي لمجرد قدرتهم المالية، إن الرهان على “الوافدين” قد يكسبك مقعداً في البرلمان، لكنه يخسرك جيلاً كاملاً من شباب الوفد وكوادره الذين يشعرون بالاغتراب في بيتهم. التحدي الحقيقي هو صناعة الكادر، لا استيراده.
شجاعة “الرحيل المشروط”
لعل الدرس الأهم الذي يجب أن يعيه أي قادم جديد، هو أن هذا الكرسي ليس ملكية خاصة لمدة أربع سنوات، يجب أن يمتلك المرشح شجاعة وضع “رقبته السياسية” على المحك، بأن يربط بقاءه بوفائه بالتزاماته المالية تحديداً. إذا عجزت عن سداد رواتب الناس لعدة أشهر، فالشرف يقتضي الرحيل لا التبرير.
ولعل الواقع الآني يصرخ في وجه الجميع بأبلغ بيان؛ فها نحن قد تجاوزنا الأسبوع الأول من شهر يناير، وجيوب الصحفيين والعاملين لا تزال خاوية، ورواتبهم في علم الغيب. هذا التأخير ليس مجرد رقم في دفتر الحسابات، بل هو بيوت تئن والتزامات لا ترحم.
إن مشهد الانتظار المرير الذي يعيشه أبناء المؤسسة اللحظة هو رسالة تحذير حية ودليل قاطع على أن الأزمة لا تحتمل التأجيل؛ فمن لا يملك حلا فوريا لرواتب هذا الشهر، بأي وجه حق يطلب تفويضا لسنوات قادمة؟
إن الوفد اليوم لا يبحث عن “باشا” جديد يضاف إلى البوم الصور، بل يبحث عن “فدائي” يدرك أن النجاة تكمن في المصارحة، وأن القيادة هي القدرة على الوفاء بالعهود الثقيلة، في زمن عز فيه الوفاء.





















