أكد الدكتور ياسر العالم الخبير الاقتصادي، أن الصمغ العربي لم يعد مجرد محصول زراعي، بل يمثل أحد أهم الموارد الطبيعية والاستراتيجية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، موضحا أنه يدخل في آلاف المنتجات اليومية، بدءًا من المشروبات الغازية والأغذية المصنعة، مرورا بالأدوية واللقاحات، ووصولًا إلى مستحضرات التجميل والطباعة والصناعات الكيميائية، وهو ما يمنحه أهمية اقتصادية تتجاوز كونه سلعة زراعية تقليدية.
وأضاف العالم فى تصريح خاص لـ”الحرية”، أن السودان تحتل المرتبة الأولى عالميًا في إنتاج الصمغ العربي، وأن ما يحدث من حروب ونزاعات لم يعد يتعلق بسلعة زراعية فحسب، بل أصبح نموذجا يعكس كيف يمكن للنزاعات المسلحة أن تعيد تشكيل منظومة التجارة العالمية، وتفرض على الشركات إعادة النظر في سلاسل التوريد ومعايير المسؤولية الاجتماعية.
وأشار ياسر، إلى أن مستقبل الصمغ العربي مرهون بقدرة السودان على الانتقال من اقتصاد تموله الحرب إلى اقتصاد يقوده التصنيع والحوكمة والشفافية، مؤكدا أنه إذا نجح السودان في تحقيق ذلك، فسيتمكن من استعادة مكانته الاقتصادية كأكبر مصدر عالمي لعدد من السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها الصمغ العربي، ليتحول إلى محرك حقيقي للتنمية الاقتصادية المستدامة.
وأوضح العالم، أن الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 أعادت تعريف هذه السلعة، فلم تعد مجرد مادة خام، بل أصبحت عنصرا مؤثرا في اقتصاد الحرب وسلاسل الإمداد العالمية، بعدما تحولت مناطق إنتاجها إلى ساحات صراع، وأصبحت التجارة بها أكثر تعقيدا وأقل شفافية.
السودان يتصدر الإنتاج العالمي للصمغ العربي
وأوضح ياسر العالم، أن السودان كان ينتج قبل اندلاع الحرب ما بين 70 و80% من الإمدادات العالمية من الصمغ العربي، وهي نسبة استثنائية تجعل أي اضطراب في الإنتاج أو التصدير قضية عالمية وليست محلية فقط. وأضاف أن هذه الصناعة وفرت مصدر دخل لنحو خمسة ملايين شخص، بما يقارب مليون أسرة ريفية، وأسهمت بما يصل إلى 15% من إجمالي الصادرات السودانية في بعض السنوات.
وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن تقديرات ما قبل الحرب أظهرت أن قيمة صادرات السودان من الصمغ العربي تراوحت بين 111 و183 مليون دولار سنويا، بينما تتوقع مؤسسات أبحاث السوق أن تتجاوز قيمة السوق العالمية للصمغ العربي 2.2 مليار دولار بحلول عام 2035، مدفوعة بالنمو المتزايد في الصناعات الغذائية والدوائية.
الحرب تعيد تشكيل التجارة العالمية وسلاسل الإمداد
وأكد ياسر، أن الحرب غيرت مسارات التجارة بالكامل، فمع انتقال السيطرة على أجزاء واسعة من مناطق الإنتاج إلى أطراف النزاع، ظهرت شبكات تهريب جديدة عبر دول مجاورة، وأصبح جزء من الصمغ العربي يعاد تصديره على أنه منتج لدول أخرى، الأمر الذي صعّب التحقق من بلد المنشأ، وأضعف شفافية سلاسل الإمداد.
وأضاف العالم، أن تقارير دولية وثقت عمليات نهب لمخازن وأسواق الصمغ العربي وفرض إتاوات على حركة الشحن، ما حول السلعة إلى مصدر دخل لأطراف الصراع، مشيرًا إلى أن بعض التقارير الموثقة أظهرت تعرض شاحنات نقل الصمغ العربي لرسوم وإتاوات غير رسمية، بينما قدرت قيمة بعض الكميات المنهوبة في إحدى الوقائع خلال عام 2025 بنحو 125 مليون دولار، وهو ما يعكس حجم الأهمية الاقتصادية لهذه التجارة.
وأوضح الخبير الاقتصادي، أن شركات الأغذية والمشروبات والأدوية العالمية تعتمد بصورة كبيرة على الصمغ العربي السوداني بسبب جودته العالية التي يصعب تعويضها بالكامل من مصادر أخرى، لافتا إلى أن تقريرا صادرا عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حذر من استمرار الشركات في الشراء من سلاسل توريد غير شفافة، لما قد يترتب على ذلك من مخاطر قانونية وأخلاقية، داعيًا إلى تطبيق معايير أكثر صرامة للعناية الواجبة وتعزيز نظم تتبع المنشأ.
التصنيع والحوكمة مفتاح استعادة السودان لمكانته الاقتصادية
وأكد ياسر العالم، على أنه من بالغ الصعوبة الاستغناء عن الصمغ العربي الذي تنتجه السودان، في ظل عدم قدرة الدول المنتجة الأخرى، مثل تشاد ونيجيريا والسنغال ومالي، على تعويض الحجم والجودة التي يوفرها السودان، خاصة مع الخصائص الفنية المميزة لصمغ الهشاب السوداني.
وأشار العالم، إلى أن السودان يمتلك فرصة استثنائية بعد انتهاء الحرب، إذ إن التحول من تصدير المادة الخام إلى تصنيع منتجات غذائية ودوائية وكيميائية ذات قيمة مضافة يمكن أن يضاعف العائدات، ويوفر آلاف فرص العمل، ويجذب استثمارات صناعية جديدة، ويقلل من تقلبات أسعار المواد الخام، إلى جانب بناء منظومة رقمية لتتبع المنشأ تعتمد على التقنيات الحديثة مثل سلاسل الكتل (Blockchain)، بما يعيد ثقة الأسواق العالمية ويجعل السودان نموذجًا في التجارة المسؤولة والشفافة.
وأضاف الخبير الاقتصادي، أن أهمية الصمغ العربي لا تقتصر على العائد الاقتصادي فقط، إذ تمثل أشجار الهشاب أحد أهم خطوط الدفاع الطبيعية ضد التصحر في منطقة الساحل الإفريقي، من خلال تثبيت التربة وتحسين خصوبتها وامتصاص الكربون، وهو ما يجعل القطاع مؤهلًا للاستفادة من برامج التمويل الأخضر ومبادرات التنمية المستدامة.
اقرا ايضا: البرهان: لا تفاوض قبل تفكيك الدعم السريع.. والمعركة في السودان حتى النصر




















