من شرفةِ هذا الوطنِ المثقلِ بالتاريخ، أقفُ متأملاً مشهداً سريالياً يجمعُ بين صخبِ “الدراما” وصمتِ “الوجود”. إنها مفارقةٌ تدمي قلبَ المثقفِ وتستفزُّ عقلَ الغيور؛ حيث نرى مجتمعاً تشتعلُ غيرتُه وتنتفضُ مروءتُه دفاعاً عن “هيبة” كوكب الشرق وصورتها في فيلمٍ سينمائي، بينما ينزوي بعيداً عن صرخة “السيد حابي” التي تخنقها جدران الأسمنت والخرسانة خلف حدودِنا الجنوبية.
فبيد أن المقابلة الكبرى تتجسد في : “الست” والوجدان.. “السيد” والوجود:فإننا نجد أنفسنا أمام مواجهةٍ بين رمزين شكّلا هوية هذا الشعب. “الست” أم كلثوم هي “سلطانة الوجدان” التي صاغت بآهاتها تاريخنا العاطفي. أما “السيد حابي”، فهو ذلك “المسافر” الذي لم ينقطع رحيله عبر العصور، هو “رب الوجود” الذي لولاه لظلّت الأرضُ صمتاً ولظلّ التاريخُ فراغاً.
وهنا تتناطح الأساطير؛ فبينما يرتل عبد الوهاب خلود النهر قائلاً: “سمعتُ في شطك الجميل.. ما قالت الريح للنخيل”، نخشى أن يأتي يومٌ لا تجد فيه الريحُ نخيلاً تحاكيه، ولا تجد “الست” صوتاً يغني للنيل. كيف ننتفضُ لفيلمٍ “زيف” سيرة مطربة، بينما نلوذُ بصمتِ القبورِ أمام “تزييف” مسار النهر الذي وصفه عبد الوهاب بأنه: “نورٌ من اللهِ يُنتقى.. وسرُّ طُهرٍ من النّقى”؟ هل نتركُ هذا “النور الإلهي” ينطفئ خلف قضبان السدود ونحن نناقشُ لون فستان وماكيير الست على الشاشات؟
وهنا نجد انفسنا أمام فصل من فصول تقارع الوجود: “مُسافرٌ زادُه الخيال” أم “صرحٌ من خيال”؟ ففي أغنية النهر الخالد، يصفُ عبد الوهاب النيل بأنه “مُسافرٌ زادُه الخيال”، لكن الخيال هنا هو طاقةُ الخلقِ والبناء، هو الذي جعل من وادينا “جنةً تشتهي الرؤى”. في المقابل، تصفُ “الست” في أطلالها خيبة المسعى قائلة: “كان صرحاً من خيالٍ فهوى”.
المفارقة المأساوية أننا كشعبٍ نكادُ نحيلُ “النيل الخالد” إلى “صرحٍ من خيال” يهوي! فبينما يغني عبد الوهاب للنيل: “أنت في الدنيا على كل فمِ”، نخشى أن تصبح هذه العبارة مجرد ذكرى لمذاقِ ماءٍ فارقَ شفاهنا. كيف نقبلُ أن نردد مع “الست” “هل رأى الحبُّ سكارى بيننا”، ونحن سكارى فعلاً، لا بالحب، بل باللامبالاة تجاه “حابي” الذي وصفه النهر الخالد بأنه: “ذرةٌ من مكمنِ النارِ”؟ إنَّ من يتركُ “نار” النيلِ تبرد، لا يستحقُ أن يستدفئ بـ “نور” فنونِه.
ففي لغة الاقتصاد ياسادة ، نُعجبُ بـ “الاستثمار في الحقول الخضراء” (Greenfield Investment).
لقد كانت- حقا – “الست” أعظم استثمارٍ في “حقولنا الوجدانية”؛ شيّدت إمبراطوريةً من الطرب من نقطة الصفر. لكننا – للأسف -ازاء جهلنا و غفوتنا ننسى أن “السيد حابي” هو المستثمرُ الأول الذي جلب لنا “الخلد للزمان”.
هو الذي جعل الأرض بكرًا صالحةً لنمو الفن والحياة. اليوم، وبينما نحن منشغلون بترميم “هيبة الصّوت” في كادرٍ سينمائي، نتركُ “حابي” يواجه مكر الخصوم. إنَّ تقاعسنا يحوّل مستقبلنا من “حلم الحقول الخضراء” إلى نعيٍ طويل على أرضٍ بور.
نحن نستثمر غيرتنا في “حماية الصورة”، بينما نُفلسُ في حماية الشريان الذي قال عنه عبد الوهاب : “كلُّ ما ضَمّته عيناك ارتمى.. شُعلةً من ضوئِك السامي”. فإذا انطفأت هذه الشعلة، فأيُّ فنٍّ سنحمي؟ وأيُّ “ست” سنبكي عليها وسط العطش؟
إنَّ الأمة التي تدافعُ عن “هيبة رموزها الفنية” هي أمةٌ حية، ولكن الأمة التي تدافعُ عن “نبع حياتها” هي أمةٌ تستحقُ الحياة. إن “حابي” اليوم لا يحتاجُ لقرابين، بل يحتاجُ لانتفاضة وعيٍ تدركُ أن الخطرَ الحقيقي ليس في “فيلمٍ” يسيء لرمزيّة “الست”، بل في “سدٍ” يخنقُ “النهرَ الخالد” ويغتالُ “الخُلد” الذي منحه لنا الزمان.
فيا شعب مصر، لا تجعلوا “الأطلال” تكون لسان حالنا، ولا تتركوا النيل يغني مرغماً: “وداعاً كان لحناً في فمي”. أفيقوا قبل أن نصبح “حَيَارى بذاك الشط”، نبحثُ عن “حابي” الذي وهبنا الحياة في متاحف التاريخ، فلا نجد إلا صدى صوت الست ” كوكب الشرق ” وهو يتبددُ في الفراغ: “لا تسل أين الهوى”..





















