لما بنبص على التاريخ بنلاقي حاجات غريبة تشبه بعضها، في أماكن وشعوب بعيدة عن بعضها، وممكن في أوقات متقاربة أو حتى برضه بعيدة عن بعضها، وأنا الصراحة باحب اللعبة دي قوي، والمقارنات اللي ممكن نطلع بيها، والدروس المستفادة، لأننا في النهاية كلنا بشر، المصري زي الطلياني، ولو نفس الظروف اتكررت بنفس الأشخاص وميولهم المتطرفة، بنطلع بنفسي النتايج بطريقة عجيبة في تشابهها.
والنهارده ها نتكلم عن التشابه العجيب بين قصة ألدو مورو رئيس وزراء إيطاليا السابق اللي اتخطف وقتل سنة 1978، وقصة أنور السادات رئيس مصر اللي اغتيل بعدها بكام سنة في سنة 1981. الاتنين دول مش بس اتقتلوا، لكن الاغتيالات دي كانت صدمة كبيرة للبلد وللعالم، وفيها تشابهات كتير تخليك تقول ياه معقولة للدرجة دي التطرف والعنف والاغتيالات ممكن يجيبوا نتايج عكسية في حالتين مختلفتين عن بعض؟

أول حاجة مشتركة: الاتنين كانوا شخصيات كبيرة ورمزية في بلادهم. مورو كان زعيم حزب الديمقراطية المسيحية في إيطالياDC ، وكان بيحاول يعمل “التسوية التاريخية” يعني يدخل الحزب الشيوعي الإيطاليPCI (اللي كان أكبر حزب شيوعي في الغرب) في الحكم عشان ينقذ البلد من الفوضى والإرهاب اليساري اللي كان منتشر وقتها.
أما السادات فكان بطل حرب أكتوبر 73، وبعد كده راح عمل اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل عشان يرجع سيناء ويوقف نزيف الدماء المصرية والأموال المصرية ويعمل استقرار وتنمية لمصر.
خلينا نبص على إيطاليا في الستينات والسبعينات، فيما سمي بسنوات الرصاص Anni di piombo، اليمين والفاشية الجديدة متمثلة في تنظيم Ordine Nuovo عملت عمليات ارهابية زي تفجير البنك الزراعي في ميلانو وأحد بنوك روما في يوم واحد في 1969، وحاولوا تفجير قبر الجندي المجهول، عملوا تفجير في جناح فيات في معرض ميلانو التجاري وحاولوا يفجروا محطة القطار الرئيسية، عملية بيازا ديلا لوجيا، قطار ايتاليكوس اكسبريس، تفجير محطة بولونا، قتل رجال شرطة في 1972، وده سمي باستراتيجية التوتر علشان يجروا البلد ناحية الفاشية ويبعدوها عن اليسار اللي البلد كانت فعلا رايحة ناحيته في الخريف الساخن.

وأحيانا كانت العمليات دي كمان بيتهم بيها اليسار والأناركية يعني الفاشية بتضرب عصفورين بحجر، تخويف الناس من اليسار وتبرير القمع (وقتها كانت فيه مطالب باستخدام التعذيب في الاستجوابات) ومنع أي تحول في الحكم ناحية اليسار، وكانت الحصيلة حوالي 250 قتيل.


اليسار كمان في سنوات الرصاص لم يكن بريئا وتصرف بحماقة ضخمة، يمكن كان رد فعل على عودة الفاشية، لكن ده مش مبرر، الألوية الحمراء اغتالوا كبير مفتشي مكافحة الإرهاب في تورينو 1974، قتلوا عدد من رجال الشرطة والكاربينيري في إعدامات ميدانية من 1972 إلى 1976، خطف الجنرال الأمريكي جيمس دوزير، اغتيال مسئول الناتو الامريكي ليامون هانت، اغتيال سياسيين وقضاة ورجال صناعة ورجال بنوك، وأحيانا القيام بعمليات عقاب وليس اغتيال باطلاق الرصاص في الركبة لبعض الشخصيات، وصلت الاغتيالات لمائة شخصية ومئات الجرحى، بل انهم قتلوا شيوعيين مثل جيدو روسا وهو نقابي عمالي لانه قاوم نشاط الالوية الحمراء في المصانع.

سنوات الرصاص كانت نتيجة لما سمي بالخريف الساخن Autunno caldo في 1969 و1970، لانه بعد المعجزة الاقتصادية بنهوض ايطاليا من بعد الهزيمة في الحرب حدثت تفاوتات اجتماعية ضخمة بين الفقراء والاغنياء وهجرات عمالية جماعية للمدن الصناعية، وبالتالي نشوء حركات عمالية وانضمام طلبة الجامعات لها، اضرابات في مصانع فيات والفا روميو وبيريلي للكاوتشوك وصولا الى اضراب عام يشمل ايطاليا كلها وشارك فيه 5 ملايين عامل، حتى حدث تفجير بيازا فونتانا او البنك الزراعي اللي شرحته فوق علشان يخوف الناس من صعود اليسار.
وبعد الخلفية التاريخية دي لتاريخ إيطاليا بعد الحرب خلينا نرجع تاني لموضوعنا وهو اغتيال ألدو مورو والسادات، ها نلاقي إن المنفذين كمان كانوا متطرفين من “الداخل” نوعًا ما في الحالتين: في إيطاليا اللي خطفوا وقتلوا مورو هم الألوية الحمراء BR، جماعة يسار متطرف ماركسي، شافوا إن التسوية دي خيانة للثورة واندماج في النظام الرأسمالي. بينما في مصر اللي اغتالوا السادات كانوا ضباط وجنود من الجيش، من جماعة الجهاد الإسلامي، شافوا إن كامب ديفيد خيانة للقضية الفلسطينية وللأمة العربية والإسلام.كم
الاغتيالين اتعملوا في لحظة رمزية كبيرة: مورو اتخطف وهو رايح البرلمان عشان جلسة تصويت مهمة جدًا، والسادات اتضرب في العرض العسكري بمناسبة ذكرى أكتوبر. يعني الاغتيال مش بس قتل، ده “رسالة” قوية: “مين يفكر يعمل تسوية مع العدو (البرجوازية أو إسرائيل) هيبقى مصيره كده”.

الألوية الحمراء خطفوا مورو 55 يوم، ورغم محاولة بابا الكنيسة الكاثوليكية بولس السادس شخصيا التدخل، بل إنه جمع فدية 10 مليار ليرة، لانهم أصدقاء من الثلاثينات، إلا أنه لم ينجح في مسعاه بسبب إحباط الحكومة الإيطالية وجوليو اندريوتي لمسعاه بحجة عدم الرضوخ للارهاب، عملوله “محاكمة شعبية”، وبعدين قتلوه برصاص في سيارة وسابوا الجثة قدام مقر الحزبين (الديمقراطي والشيوعي) عشان يقولوا “خلاص، التحالف ده مات”. السادات مات فورًا في الهجوم المسلح، لكن الرسالة واحدة: “التسوية دي خيانة، وده عقابها”.

وكما حدث بعد اغتيال السادات ان سادت نظريات مؤامرة كثيرة عن خيانة داخلية ساعدت وساهمت في تنفيذ الاغتيال، بل إن المرحوم طلعت السادات اتهم حسني مبارك شخصيا بالضلوع في الاغتيال، وقد قمت شخصيا بعمل انترفيو معه لحساب وكالة الانباء الألمانية وقتها تسبب له ولي بكثير من المشاكل لا داعي لعرضها في سياق المقال، فإن نفس الأمر حدث مع اغتيال مورو، حيث تسود نظريات مؤامرة باستفادة الدولة العميقة من الاغتيال، أو سمحت به أو لم تبذل جهدا كافيا لمنعه، موت مورو أوقف التسوية التاريخية وحافظ على سيطرة الجناح المحافظ في حزب DC، لجنة مورو الثانية من 2014 إلى 2017 اتهمت المخابرات العسكرية والأجهزة الأمنية SID وSISMI، وتقارير صدرت في 1999 اتهمت عناصر تابعة للمخابرات بالتسلل داخل الألوية الحمراء. كمان كان فيه اتهامات للمافيا الايطالية.
نيجي بقى للنتائج الغبية للاغتيالات السياسية، ليه الألوية الحمراء عملت كده رغم إن الاغتيال ده ضر اليسار كله في إيطاليا؟ هما كانوا مقتنعين إنهم “الطليعة الثورية” الحقيقية، وإن أي تسوية مع البرجوازية خيانة، وإن القتل ده هيلهم الجماهير ويسرع الثورة.
لكن اللي حصل عكس كده تمامًا: الناس اتخضت، اليسار خسر شعبيته، الحزب الشيوعي تراجع، والألوية نفسها انهارت بعد كده، هما ما قدروش يشوفوا الصورة الكبيرة، كانوا في فقاعة أيديولوجية.
مش بس كده ده أمريكا اكبر عدوة لليسار استفادت من موت مورو! واستفادة كبيرة! أمريكا كانت خايفة جدًا من دخول الشيوعيين في حكومة دولة في الناتو، ويبقى معاهم اسرار مواقع وأسلحة أمريكية على أرض إيطاليا، كيسنجر حذر مورو بنفسه في 76 إن ده هيوقف المساعدات. لما حصل الاغتيال، التسوية راحت في الزبالة، الشيوعيين تراجعوا، واليمين الوسط ظل ماسك البلد. يعني سواء كانت صدفة أو “مرغوبة”، النتيجة خدمت أمريكا تمامًا. (في إيطاليا ناس كتير بتقول نظريات مؤامرة إن فيه دور للـCIA أو Gladio ، لكن مفيش دليل قاطع).
وده بيفكرنا برضه مين الاطراف المستفيدة من اغتيال السادات، فبحسب طلعت السادات في الانترفيو اللي ذكرته فوق، اسرائيل كان من مصلحتها إيقاف مفاوضات السلام، السوفيت كمان اللي السادات خرج عن طوعهم، والامريكان اللي عاوزين واحد مطيع اكتر. السادات وقتها كان كشف عن دور مصر في مساعدة امريكا في أفغانستان، وكشف نوايا اسرائيل غزو لبنان، وكشف دور اسرائيل في ثورة الخوميني في ايران، واعترض على عدم بيع طائرات الاواكس للسعودية رغم خلافه معاهم، وكشف تعامل الخوميني مع اسرائيل في 1981، يعني أحرج جميع الأطراف وأظهر نفاقهم.
ونرجع للتشابه الأكبر: التسوية التاريخية في إيطاليا زي كامب ديفيد في مصر. الاتنين كانوا محاولة “براجماتية” لكسر أزمة كبيرة: مورو عايز ينقذ إيطاليا من الفوضى، السادات عايز يرجع الأرض ويجيب فلوس بعد الحرب. الاتنين عملوا “تسوية” مع الخصم التاريخي (الشيوعيين / إسرائيل)، والاتنين اتهموا بالخيانة من المتطرفين في معسكرهم، والاتنين خلصوا باغتيال الزعيم اللي عمل التسوية.في النهاية، القصتين دول بيورونا إزاي التسويات الكبيرة، لما بتتعمل في أوقات أزمات، ممكن تثير غضب المتطرفين وتخليهم يلجأوا للعنف الشديد. مورو مات عشان حاول يعمل اندماج للشيوعيين، والسادات مات عشان عمل معاهدة مع إسرائيل. الاتنين غيروا تاريخ بلادهم، لكن بتكلفة بشرية وسياسية غالية جدًا.

والتاريخ أحيانًا زي ما احنا شايفين بيعيد نفسه بنفس الطريقة المؤلمة دي.





















