ونحن على أعتاب الدورة التاسعة والسبعين لمهرجان كان، لا تبدأ الكارثة حين نذهب إلى هناك بلا فيلم، الكارثة تبدأ حين يسقط السؤال من يد الفنان، كان الفن يُولد من قلقٍ يخدش الروح، من هاجسٍ لا ينام، من رسالة تتقاتل في صدر صاحبها حتى تخرج على الشاشة، اليوم، القلق الوحيد هو رقم العقد، والهاجس الوحيد هو التريند. والرسالة الوحيدة هي البقاء في الكادر.
لقد ضاعت البوصلة الفنان لم يعد يسأل: “لماذا أصنع؟”، بل يسأل: “كم سأقبض؟”، تحول الفن من رهان على المعنى إلى مضاربة على الأرقام، ومن مهنة الروح إلى مهنة من لا مهنة له، الطريق إلى الشاشة لم يعد يمر بالمعهد ولا بخشبة المسرح، صار يبدأ بمقطع عابر، بلقطة صادفت هوى الجمهور، بشهرة وُلدت بلا صنعة تسندها. الشهرة تسبق الموهبة، والمتابعة تسبق المعرفة، والضجيج يسبق الصوت.
من هنا يولد “الفنان الفتاي”، فنان بلا مشروع، فيتحول إلى ماكينة فتاوى، يحلل السياسة صباحاً، ويشرح الدين ظهراً، ويحاكم المجتمع مساءً، يتكلم في كل شيء لأنه مطالب بأن يملأ الفراغ، لا لأن لديه ما يقوله، هو حشو فاخر لساعات البث، ظل باهت لمعنى كان.
والمفارقة الموجعة أنك حين تتابع البرامج الفنية في مصر، تسمع الفنانين والمخرجين يتكلمون في كل شيء إلا الفن، سياسة، دين، مجتمع، نميمة.. كأنك أمام جهابذة العصر. والحقيقة أن معظمهم بلا رصيد، بلا فيلم يُشار إليه، بلا مشهد واحد يبقى، فإن قلت لهم: أين فنكم؟ قالوا: “هذه مسؤولية جهات الإنتاج”، حسناً، إن كانت ليست مسؤوليتكم، فوفروا علينا فتاويكم. تحدثوا فيما يخصكم. قولوا: “نريد أن نصنع فناً جيداً وعاجزون”، “لدينا نص ولا نجد منتجاً”، “الصناعة مأزومة”، تكلموا في وجعكم الحقيقي بدل هذا الضجيج، ما نراه اليوم جعجعة بلا طحن، وصداع بلا معنى.
وحين يصبح الفن “سبوبة”، تسقط الأسئلة. لا أحد يفتش عن نص، ولا عن صدق، ولا عن كادر، السؤال الوحيد: “هل هذا سيبيع؟”، تُستنسخ الحكاية، ويُعاد تدوير النكتة، وتُسطّح الشخصيات حتى تصير دمى تحركها غريزة الشباك. الممثل الذي بلا بوصلة لن يرفض الرديء؛ سيفاصل في الأجر، والمخرج الذي بلا هاجس لن يبحث عن خلود اللقطة، بل عن سرعة انتشارها.
لهذا نصل إلى كان، ونعود منه في خبر كان نصل بلا فيلم، لأن الفيلم لم يكن الغاية يوماً، نصل بفستان وبصورة وبتصريح المهرجانات لا تكرم الضيوف، تكرم الأعمال، والأعمال لا تولد من فراغ؛ تولد من وجع من سؤال يؤرق صاحبه، من معاناة مع الفكرة حتى تنضج، أما نحن، فصرنا نذهب لنثبت أننا مررنا من هنا، لا أننا تركنا شيئاً.
المفارقة أن هذا كله يُغلّف باسم “التنوير” و”حرية الإبداع”، لكن التنوير بلا معرفة ادعاء، والحرية بلا مسؤولية فوضى، انظر إلى السينما الإيرانية التي تعمل تحت سقف من حديد، ثلاثة محاذير صارمة: لا خوض في السياسة، لا نقاش في الدين، لا كشف للجسد. ومع ذلك، تنتزع السعفة والأسد والدب لماذا؟ لأن صاحبها يعرف لماذا يمسك الكاميرا. القيد لم يخنقه، بل علّمه المجاز. المنع لم يقتله، بل دفعه ليحفر في الروح لا في الجسد. حين مُنع من الصراخ، تعلّم الهمس، وحين حُرم من المباشرة، اخترع الاستعارة، جعل من غرفة مغلقة كوناً، ومن حكاية أب يبحث عن حذاء لابنته ملحمة عن الكرامة القيد صار لغة، والحدود صارت أسلوباً.
وليست السينما الإيرانية وحدها هناك سينمات أخرى في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وُلدت من الرحم نفسه: رحم القهر والندرة، سينما جاءت من هوامش القارات، لا تملك رفاهية الاستوديوهات ولا ميزانيات الضوء. صنعت أفلامها في الشوارع الخلفية، بوجوه لم يصقلها التجميل، وبكاميرا ترتجف من الجوع لا من الحداثة. ومع ذلك، عبرت إلى كان والبندقية وبرلين، لا لتتزين، بل لتُربك. لم تذهب لتقول “نحن هنا”، بل لتضع العالم أمام مرآته. تلك السينمات فهمت أن الفقر ليس عذراً، بل مادة خام. وأن التهميش ليس نهاية، بل بداية الحكاية.
أما حين تضيع البوصلة، فلا يهم أين توجه الكاميرا. تتحول من عين تكشف إلى آلة تعد النقود الفن كان معنى قبل أن يكون وظيفة، وكان وجعاً قبل أن يكون تريند كان الفنان شاهداً على عصره قبل أن يصبح مهرجاً في بلاطه وحين ينسى هذا، يصبح عبوره على السجادة الحمراء كعبوره في سوق: لا يترك أثراً مجرد ظل يبحث عن بساط آخر، وتصريح آخر، وسبوبة جديدة.
لن يعيدنا الغضب، ولن تنقذنا الشماتة لن ينقذنا إلا عودة الفنان إلى سؤاله الأول: لماذا؟ لماذا أكتب، لماذا أمثل، لماذا أخرج؟ فطالما بقينا نذهب إلى كان لنعود في خبر كان، لن يتغير شيء. الإجابة الصادقة وحدها تعيد البوصلة إلى اليد، والمعنى إلى الشاشة، والظل إلى صاحبه.
نرشح لك. رحيل حكيم الفن.. عبد الرحمن أبو زهرة يودّع الحياة تاركًا إرثًا لا يُنسى
جميع حقوق النشر وإعادة التداول لهذا المحتوى محفوظة حصريا لموقع الحرية الإخباري، ويُحظر نسخ أو اقتباس أو إعادة نشر المحتوى دون إذن مسبق أو ذكر المصدر بشكل واضح، مع احتفاظ الموقع بكامل حقوقه القانونية تجاه أي انتهاك لحقوق الملكية الفكرية.




















