هذه ليست حربًا… الحرب لها قوانين، أما ما يُمارَس في غزة فهو نزعٌ منهجي لحق الحياة، وتجويعٌ محسوب، وإعدامٌ بطيء، تُدار فصوله بوعيٍ كامل، لا بانفعالٍ ميداني.
ما يحدث في قطاع غزة ليس حرب صواريخ… بل حرب أرغفة.
وليست معركة حدود… بل مجزرة بطون.
نتنياهو ونبوءة الدم في غزة
في غزة، لا تُقصف البيوت فقط، بل تُقصف القدرة على الحياة، ويُحاصر الهواء، ويُعدَم الطعام، وتُخنق الطفولة ببطءٍ متعمَّد.
ما يفعله نتنياهو ليس خطأً عسكريًا، ولا تجاوزًا ميدانيًا،
بل سياسة مُقنَّنة اسمها: التجويع حتى الانكسار.
حين يصبح الطعام هدفًا عسكريًا
في غزة، لم تعد الأهداف ثكنات، ولا الصواريخ هي الفيصل،
بل الطعام.
منع الإغاثة، خنق المعابر، شلّ المستشفيات، وتحويل الاحتياج الإنساني إلى أداة ضغط سياسي.
هذه ليست “تبعات حرب”، بل استراتيجية تجويع تهدف إلى كسر المجتمع، لا هزيمة فصيل.
التجويع كسلاح.. حين يصبح الجوع خطة دولة
في قاموس نتنياهو، الرصاصة أسرع… لكن الجوع أنظف.
لا يترك دخانًا، ولا جثثًا فورية، يترك فقط أجسادًا تذبل، وأطفالًا ينامون على وعد رغيف.
ولهذا تعمَّد هو وحكومته اليمينية المتطرفة منع الغذاء،
قطع المياه، وإغلاق المعابر. كلها ليست إجراءات أمنية،
بل أدوات قتل مؤجَّل، تُمارَس بربطة عنق، وتُدار من غرفٍ مكيفة.
الطفل الفلسطيني.. رقم زائد في معادلة الدم
بالنسبة لنتنياهو، العربي ليس إنسانًا كامل الحقوق، والطفل الفلسطيني ليس طفلًا… بل «خطرًا مؤجلًا». يموت الطفل جوعًا؟ لا بأس. يمرض بلا دواء؟ تفصيل جانبي. تصرخ أمه؟
ضجيج غير مؤثر. هكذا تُدار الحرب: بلا رحمة، بلا خجل، بلا إنسانية.
طريق الدم
وفق أفكار نتنياهو، التجويع ليس هدفًا نهائيًا،
بل مرحلة أولى.
والهدف الحقيقي: أن يترك الفلسطيني أرضه بقدميه، بعد أن تُكسَر إرادته، وتُهشَّم كرامته، ويُخيَّر بين الموت البطيء…
أو الرحيل.
هذه ليست مصادفة، بل سيناريو قديم متجدد،
مفاده: أفرغ الأرض، ثم اكتب التاريخ من جديد.
نبوءات التوراة.. حين تتحول الأساطير إلى مجازر
نتنياهو لا يخوض حربًا فقط، بل يؤدي دورًا عقديًا.
في ذهنه، غزة ليست مدينة، بل «عقبة». وأهلها ليسوا بشرًا، بل «غرباء عن النبوءة».
حين تختلط السياسة بالعقيدة، يصبح القتل طقسًا، والتجويع واجبًا، وإبادة الآخر تنفيذًا لإرادةٍ مُقدَّسة.
في منطق نتنياهو، المدني الفلسطيني ليس بريئًا،
والطفل ليس طفلًا، بل مشروع خصمٍ مؤجَّل.
الجوع هنا ليس مأساة، بل وسيلة. والقتل ليس خطأ،
بل نتيجة مقبولة. هكذا يُعاد تعريف الإنسان: رقمٌ يمكن شطبه، أو الضغط عليه حتى يرحل.
ليست حربًا.. بل فضيحة إنسانية
ما يحدث في غزة ليس دفاعًا عن النفس، بل هجومٌ على معنى الإنسان. وحرب الجوع التي يشنها نتنياهو
لن تُسقِط المقاومة، لكنها ستُسقِط آخر ورقة توت
عن نظام يرى في قتل العرب، حتى الأطفال منهم،
أمرًا عاديًا… بل ضروريًا.
نتنياهو لا يتحرك فقط بدافع أمني، بل داخل إطار عقدي–سياسي يرى في السيطرة “تحققًا”، وفي الإزاحة “ضرورة”،
وفي الآخر “عقبة تاريخية”.
وحين تُستدعى النبوءة إلى غرفة القرار، يصبح التجويع فعلًا مبررًا، وتتحول الإبادة إلى «مسار مقدس».
مصر.. حين يكون الثبات سياسة
وسط هذا الانحدار، تقف مصر لا كطرفٍ في الصراع،
بل كحاجز أخلاقي وجيوسياسي:
• رفضٌ قاطع لتحويل سيناء إلى مخزن للتهجير.
• تمسك بفتح المعابر لإدخال المساعدات رغم الضغوط.
• دفاعٌ واضح عن بقاء الفلسطيني على أرضه لا ترحيله خارجها.
• تحرك دبلوماسي يؤكد أن الحل ليس في تفريغ الجغرافيا، بل في إنهاء الاحتلال.
مصر لم تزايد، ولم تتاجر بالمأساة، بل تعاملت معها كمسؤولية تاريخية تمنع سقوط الإقليم في فوضى مقصودة.
الجوع لا يصنع نصرًا
قد تُخنق غزة، لكنها لن تُمحى. وقد يُستخدم الجوع كسلاح،
لكنه لن يمنح شرعية، ولا يصنع أمنًا، ولا يُنتج سلامًا.
حرب التجويع التي يقودها نتنياهو لن تُسقِط شعبًا،
لكنها ستُسقِط سردية، وتكشف عقلية ترى في قتل العرب، حتى الأطفال منهم، تفصيلًا مقبولًا في مشروعٍ بلا أخلاق.
وفي زمن تُختبر فيه المواقف، تُسجَّل مصر كمن قال: لا للتهجير، ولا للتجويع، ولا لتحويل الجوع إلى سياسة دولة…
لا للظلم.





















