على مدار سنوات، وتحديدًا منذ تحرير سعر العملة الوطنية، اتجه الكثير من كبار رجال الأعمال المصريين والشركات الكبرى إلى الاستثمار خارج مصر وبالأحرى في دول الخليج، وهو ما يعني هروب رؤوس الأموال المصرية، وأيضًا يؤكد نظرية أن رأس المال «جبان»، أي أنه عندما لا تتوافر البيئة الاقتصادية المناسبة يهرب بعيدًا.
ذكرت اقتصاد الشرق «بلومبيرج» أن مؤسسة «بلتون المالية القابضة» والتي تعد إحدى المؤسسات المالية الكبرى في مصر تدرس دخول سوق التمويل الاستهلاكي في الأردن من خلال شركتها التابعة لها «سفن».
يُذكر أن «بلتون» تأسست كشركة مساهمة مصرية في مايو 2006، وأُدرجَت أسهمها في البورصة المصرية في أبريل2008، ورفع رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة حصته بها، ولديها سيولة وفيرة قدرت بنحو 10 مليارات جنيه، ستنفق منها 1.1 مليار جنيه على شراء مبنى إداري جديد لها في القاهرة الجديدة بالتقسيط.
ومن اللافت للانتباه أن «بلتون» استحوذت على شركة «كاش» للتمويل متناهي الصغر بنحو 120 مليون جنيه، وعلى حصة تبلغ 20% من شركة «أريكا» الناشئة المتخصصة بصناعة وبيع مفروشات المنازل ومستلزمات الديكور.
تتبع «بلتون» أيضا 18 شركة متخصصة في نشاطات الاستثمار، وإدارة الأصول، والأوراق المالية، وتغطية الاكتتابات، وأظهرت القوائم المالية المستقلة لشركة «بلتون» تكبدها خسائر بقيمة 71.37 مليون جنيه خلال الثلاث أشهر الأولي من العام الحالي، مقابل صافي خسائر بقيمة 18.93 مليون جنيه خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.
وفي سياق متصل أعلنت «فاليو» التابعة لمجموعة «إي إف جي القابضة»، أكبر مؤسسة في سوق التمويل الاستهلاكي في مصر، عن سعيها للدخول إلى السوق الأردنية قبل نهاية العام الجاري.
ثم عقب ذلك إعلان مؤسسة «موديز» للتصنيفات الائتمانية الخميس الماضي عن خفض التصنيف الائتماني لمصر من (بى 3) إلى (سي إية 1)، نتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية في مصر وتعثر مصر في سداد ديونها.
وهنا تُطرح تساؤلات حول ما هي الأسباب التي تؤدي إلى هروب الاستثمارات من مصر إلى خارجها؟ وإلى متى ستظل البيئة الاقتصادية في مصر طاردة للاستثمار؟، وهل ما يحدث هروب أم تهريب؟.
الضبابية
وحول هذا الأمر يقول المستشار الاقتصادي أحمد خُزيِّم، رئيس منتدى التنمية والقيمة المضافة: «هناك مجموعة من المؤسسات المالية والشركات يهمها الاستثمار في منطقة الشرق الأوسط، وتبحث عن البيئة الآمنة التي تستطيع أن تستثمر فيها أموالها، وتقوم هذه الشركات يتخصيص رقم أو رصيد معين لكل منطقة لتستثمره فيها».
ويضيف لـ«الحرية»: ضبابية البيئة الاقتصادية بالإضافة إلى التأخير في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين صندوق النقد الدولي ومصر في يناير الماضي إلى جانب ثبات سعر الصرف الرسمي كل ذلك يؤدى إلى هروب الاستثمارات عكس ما يقال إلى المناطق الآمنة بما يحقق لكل شركة أو مؤسسة مالية عوائد أكثر».
وعن مدى علاقة انخفاض التصنيف الائتماني لمصر بهروب المستثمرين إلى الخارج يتابع خُزيِّم قائلا: «نتيجة لانخفاض تصنيف مصر من (بى 3) إلى (سى إية 1)، فإن كل ما هو استثمارات داخل مصر سيبحث عن دول أخرى أقرب في المنطقة ليستثمر فيها، وهذا دليل واضح على أن المؤسسات المالية تدرس الأوضاع وتتغير من وقت لآخر، وما يحدث الآن في مصر يُنذر بسحب استثمارات كثيرة من مصر، ويزيد من أزمة الموارد الدولارية وهذا بدوره سيؤدى إلى انخفاض الناتج القومي».
كارثة التصنيف (سي)
ويستكمل «خزيم» حديثه قائلا: «التصنيف (سى) يعد كارثة حقيقية فهو يعنى أن الاقتصاد المصري ليست لديه جدارة ائتمانية أي أنه غير قابل أن يقوم أحد بإقراضه وإذا وافق سيكون بفائدة أعلى، في الوقت الذى يوجد لدى مصر أزمة في الميزان التجاري، بخلاف وجود أزمة دولارية، ناهيك عن القروض المتوسطة قصيرة الأجل بالدولار، إذ أصبحت مصر تسدد القروض التي حان أجلها بقروض أخرى وهذا ما يزيد الأزمة ويفاقمها، ويدخلها في الدائرة «الجهنمية» التي حذرت منها في عام 2015».
يوضح المستشار الاقتصادي أن البيئة الضبابية وغير المستقرة اقتصاديًا، والبيئة التي فيها سعر الصرف غير واضح المعالم وأكثر من سعر صرف سواء في البنوك أو السوق الموازية بالطبع ستكون طاردة للاستثمارات وليست جاذبة لها، مؤكدا أن هذا يحدث في الوقت الذى تحاول فيه الدول المجاورة أن تقدم محفزات لتستقبل هذه الاستثمارات من الدول الأخرى.
ويختتم خُزيِّم حديثه قائلا: «إن الإصلاح المالي والنقدي يسحبنا إلى دائرة تؤدى إلى متوالية هندسية في تضاعف قيمة الدَيْن وعجز الموازنة وبالتالي لن تكون مصر قادرة على السداد، هذا الأمر سيؤدى إلى أن السندات والأسهم المصرية في الخارج على المدى القصير والبعيد سيتم تخفيضها وستُباع بأقل من ثمنها».
هروب الاستثمارات خارج مصر
تجدر الإشارة إلى أن السوق السعودية أصبحت تتمتع بالفرص الاستثمارية الجاذبة في مجال الإسكان والتطوير خاصة في مدينة الرياض التي تشهد مشروعات إعادة اعمار ونهضة عمرانية غير مسبوقة.
خلال الأشهر الماضية وقعت «تطوير مصر» على هامش مشاركتها في معرض ميبم بفرنسا على مذكرة تفاهم لتسهيل دخولها السوق السعودية بناء على مبادرة من وزيرا الإسكان والاستثمار السعوديين بهدف توفير منتج عقاري يمثل قيمة مضافة وذلك من خلال الاستفادة من الخبرات والتجارب الناجحة في مصر.
وأيضا وقّعت شركة «ماونتن فيو» للتنمية والاستثمار العقاري، اتفاقية تعاون مع مجموعة عمر قاسم العيسائي الاستثمارية لتكوين شركة مشتركة في مجال التشييد والبناء والتطوير العقاري، وذلك لتطوير المشاريع العمرانية المتكاملة والمنتجعات السياحية في المملكة، كما أبرمت اتفاقية شراكة مع سيسبان القابضة لتطوير مشروعات تجارية بالسوق السعودية.
وهناك ما يزيد عن 5 شركات مقاولات مصرية أسست شركات تابعة لها بالسوق السعودي وهى «سياك القابضة، الرواد للهندسة الحديث ، كونكريت بلس، كونتراك للتنمية العمرانية، ريدكون للتعمير».
وفي يونيو الماضي أعلن الملياردير سميح ساويرس عن ضخ نحو 500 مليون دولار كمرحلة أولى لإنشاء مدينة جديدة في السعودية على غرار مدينة الجونة، موضحا أنه سيتجه إلى التوسع باستثماراته في السعودية خلال الفترة المقبلة، والاستفادة من الطفرة الإنشائية والتسهيلات التي تمنحها المملكة.






















