كتبت: ميار عبد الراضي
يمثل الاقتصاد غير الرسمي في مصر أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، في ظل اتساع حجم الأنشطة التجارية التي تعمل خارج المنظومة الرسمية، بما يحرم الدولة من مليارات الجنيهات سنويًا نتيجة فقدان جزء من الإيرادات الضريبية والرسوم، فضلًا عن صعوبة قياس الحجم الحقيقي للنشاط الاقتصادي ووضع سياسات تنموية أكثر دقة.
وتواصل الحكومة جهودها لدمج هذا القطاع ضمن الاقتصاد الرسمي، عبر حزمة من التسهيلات التشريعية والإجرائية، بهدف توسيع القاعدة الضريبية، وتعزيز الشمول الاقتصادي، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
كم تخسر الدولة بسبب التجارة خارج المنظومة؟
قالت الدكتورة هدى الملاح، الخبيرة الاقتصادية، في تصريح خاص لـ”الحرية”، إن الاقتصاد غير الرسمي يعد من أكبر التحديات أمام تحقيق نمو اقتصادي مستدام، لأنه يحرم الدولة من موارد مالية ضخمة كان من الممكن توجيهها لتحسين الخدمات العامة، وتمويل مشروعات البنية التحتية والتنمية.
وأضافت أن خسائر الدولة لا تقتصر على الإيرادات الضريبية، بل تمتد إلى صعوبة إعداد سياسات اقتصادية دقيقة في ظل وجود شريحة واسعة من الأنشطة الاقتصادية خارج الإحصاءات الرسمية، مؤكدة أن دمج هذا القطاع سيسهم في زيادة الحصيلة الضريبية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتحقيق العدالة التنافسية بين المشروعات الملتزمة وغير الملتزمة.
وأوضحت أن نجاح جهود الدمج يتطلب توفير حوافز حقيقية للمشروعات الصغيرة، وتبسيط إجراءات الترخيص، وإتاحة تسهيلات ضريبية وتمويلية تشجع أصحاب الأنشطة على الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي، بدلًا من الاعتماد على الإجراءات العقابية وحدها.
قطاع يضم ملايين المنشآت والعمال
تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد غير الرسمي في مصر يمثل ما بين 40% و50% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، ويضم نحو مليوني منشأة، بما يعادل قرابة 53% من إجمالي المنشآت الاقتصادية، كما يوفر فرص عمل لنحو 4 ملايين عامل، يمثلون حوالي 31.4% من إجمالي القوى العاملة.
وتعكس هذه الأرقام أهمية هذا القطاع، سواء من حيث مساهمته في النشاط الاقتصادي أو حجم الفرص التي يمكن تحقيقها حال دمجه داخل المنظومة الرسمية.
الحكومة تتحرك لدمج الاقتصاد غير الرسمي
وفي إطار جهود الدولة لمعالجة هذه الظاهرة، وافق مجلس الوزراء خلال عام 2026 على تعديلات تستهدف إعادة تعريف حجم أعمال المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مع إتاحة آلية لتوفيق أوضاع المشروعات العاملة خارج المنظومة الرسمية، من خلال منح تراخيص مؤقتة لمدة عام، بما يسهل انتقالها إلى الاقتصاد الرسمي، ويشجع أصحاب الأنشطة على تقنين أوضاعهم.
فوائد الدمج تتجاوز زيادة الإيرادات
ويرى خبراء الاقتصاد أن دمج الاقتصاد غير الرسمي لا يقتصر على زيادة موارد الدولة، بل يسهم أيضًا في تحسين مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي، ورفع كفاءة الموازنة العامة، وتعزيز قدرة الدولة على التخطيط الاقتصادي، فضلًا عن توفير حماية قانونية وتمويلية للمشروعات الصغيرة، بما يدعم النمو الاقتصادي ويرفع تنافسية السوق المصرية.
ويؤكد الخبراء أن نجاح هذه الجهود يتطلب استمرار تطوير قواعد البيانات، وتوسيع نطاق التحول الرقمي، وتقديم المزيد من الحوافز والتيسيرات، إلى جانب نشر الوعي بأهمية الانضمام إلى المنظومة الرسمية، بما يحقق التوازن بين دعم أصحاب المشروعات وتعزيز موارد الدولة وتحقيق التنمية المستدامة.





















