حالة من الإحباط العام والاكتئاب والقلق المستمر تخيم على الشارع المصري وعلى نفس كل إنسانٍ لديه قلب أو شيء يسير من الإنسانية؛ نتيجة لأحداث العدوان «الإسرائيلي» على غزة والتي زادت وتيرتها في الأيام الأخيرة.
«أشلاء ممزقة.. دماء متناثرة.. قصف..حروق..دمار» تلك هي المشاهد التي تجسد هذا العدوان الغاشم والتي تُعرض على القنوات التليفزيونية ومواقع الاجتماعي منذ ما يقرب من شهر، وتُخلّف لدى مَنْ يراها الشعور بالعجز والوجع والحزن وعدم القدرة على التحرك أو الرغبة في ممارسة الحياة بشكل طبيعي.
الأمر ربما يحتاج لسنوات طويلة حتى يتعافى البعض من مثل هذه المناظر المؤلمة التي نتعرض لها يوميا خاصة مع استمرار هذه الحرب، لهذا تعرض «الحرية» خلال السطور التالية نصائح وحلول من خبراء علم النفس لتجاوز هذه الفترة الصعبة والخروج من حالة الكآبة والإحباط العام.
غزو أفكار الحرب
وحول هذا الأمر يقول الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، إن مشاهد العدوان على غزة التي تتداولها القنوات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي من ضرب وسحل وحرق وتنكيل وقصف وقسوة وإيذاء وموتٍ للأطفال، كلها مشاهد غير إنسانية بالمرة وتدمر المشاعر لأى شخص يراها.
ويضيف «هندي» لـ«الحرية»: «كل مَنْ رأى تلك المشاهد من غزة في الآونة الأخيرة يشعر بالكآبة والحزن والوجع بالإضافة إلى الإحساس بالعجز تجاه ما يحدث في فلسطين، وهو لا يدرى ماذا يفعل».
استشاري الصحة النفسية يتابع قائلا: «نتيجة للتعرض لهذه المشاهد المؤلمة مرارا وتكرارا البعض سيحدث له كرب ما بعد الأزمة وأيضا سيتسبب لهم في ما يسمى بالأعراض الاقتحامية بمعنى غزو أفكار الحرب لعقولهم من وقت لأخر، بمعنى أن ذكريات الحرب ستسترجع وستظل في مخيلتهم فترة طويلة ولا سيما لو كانوا أطفالا، كل هذا سيُحدث سلبية في التفكير والمزاج العام والشعور بالذنب والحساسية المفرطة والرغبة في البكاء».
وعن كيفية التعامل مع الضغط العصبي المستمر منذ شهر وربما يمتد لفترة طويلة يستطرد قائلا: «من المفترض أن نتجاوز هذه المشاهد نفسيا من خلال ألا تكون الأخبار عن غزة هو محور اهتمامنا ولا أولوية لمشاهداتنا في القنوات الفضائية بحيث ننوع المشاهدات من فن ورياضة وبرامج اجتماعية وغيرها».
إيقاف تنمية النظرة السوداوية
«هندي» يؤكد على ضرورة عدم تداول كل ما يحدث من أخبار على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ أن كل هذا يُحدث «لخبطة» نفسية، مشيرا إلى أنه أحيانا تأتى فيديوهات قديمة لكنها تُسَوّق على أنها حديثة، وأحيانا تكون غير موجودة في غزة من الأساس، موضحا أنه قد تستخدم مثل هذه الفيديوهات في التلاعب بالمشاعر والأحاسيس فضلا عن تنمية النظرة السوداوية تجاه الأمور.
ويوضح أنه ينبغي تجنب أن يكون الحديث مع الأصدقاء وزملاء العمل مُنصبّا على ما يحدث في غزة وذلك للبعد عن حالة الانشغال العقلي التي تحدث لنا نتيجة هذه الأحداث، مشددا على ضرورة عدم المكوث في المنزل طويلا والخروج حتى لا نترك أنفسنا عرضة لتداول الأخبار.
المساندة الحقيقية لأهل غزة
استشاري الصحة النفسية يختتم حديثه قائلا: «حتى لا يحدث الشعور بالعجز، يجب أن نساند أهل غزة مساندة حقيقية من خلال القنوات الشرعية المصرية مثل الهلال الأحمر المصري وتكون المساندة بالتبرع سواء بالدم والغذاء والكساء وكل ما يحتاجه أهل غزة.
الانعكاسات السلبية لمشاهدة المجازر
ومن جانبها تقول الدكتورة سوسن فايد، أستاذ علم النفس السياسي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: «هناك بالطبع انعكاسات سلبية للصور والأخبار المؤلمة التي تجسد المجازر التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني بحق أهل غزة على الجانب النفسي وبالتالي قد تتسبب في حالة الاكتئاب والإحباط والقلق المستمر، وبخاصة أننا نعيش في زمن يقوم بنقل الأحداث في لحظة وقوعها».
وتضيف «فايد» لـ«الحرية»: «اللحظات الأولى منذ اندلاع الحرب كان الناس في حالة من الانزعاج وتريد معرفة ومتابعة الأخبار بشكل مستمر، أما الآن وبعد مرور شهر تقريبا من الضروري أن يكون هناك قناعة بضرورة الحفاظ على الحالة النفسية بالكامل».
وبسؤالها عن كيفية استرداد الحالة النفسية عقب ما خلفته أحداث غزة، تتابعت قائلة «التأثير السلبى للمتابعة المستمرة للمجازر التي تحدث في غزة لابد من معالجته بالإضافة إلى ضرورة وجود وعى حول كيفية التعامل معها، يجب ألا يكون هناك تعرض بشكل مستمر لشاشات التلفاز أو التليفون ورؤية المناظر المؤسفة الحرب، بمعنى أن تكون هناك متابعة للنشرات الإخبارية لمعرفة الأخبار فقط على مدار اليوم، فما يتعرض له الناس من مناظر مؤلمة يفوق طاقة البشر».
وتستكمل «فايد» حديثها: «من المهم أن يكون هناك فواصل بمعنى الخروج من حالة الاكتئاب هذه وذلك من خلال التعرض لمشاهد أخرى غير أخبار الحرب مثل المسلسلات والاستماع للموسيقى وغيرها من الأشياء المحببة لدى الشخص بما يمكنه من الخروج من حالته النفسية هذه».
ترشيد السلوك للحفاظ على الحالة النفسية
أستاذ علم النفس السياسي توضح أنه لابد أن يكون لدى الناس الوعى بأن أهل غزة لديهم عقيدة وإيمان قوى ويعلمون أن للشهيد أجر عظيم عند الله، وهذا ما يهون هذه المشاهد الصعبة، مؤكدة على ضرورة ترشيد السلوك بما يحافظ على الحالة النفسية.
أسباب حالة الاكتئاب العام
وبدوره يقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي بجامعة القاهرة: «هناك العديد من العوامل التي تتسبب في حالة الاكتئاب العام في الشارع المصري أولها ارتفاع أسعار السلع، فضلا عن رؤية صور وفيديوهات أحداث غزة، إلى جانب مواقع التواصل الاجتماعي التي تعطى الناس إحساس بالاكتئاب، بالإضافة إلى تغيير الفصول ففصل الخريف يكون وقت اكتئابي بما يسبب حالة من الإحباط والاكتئاب».
ويضيف «فرويز» لـ«الحرية»: لابد أن يتعامل الناس بعقلانية بحيث تكون متابعة الأحداث بصورة هادية والسعي نحو ممارسة الحياة بشكل طبيعي، إضافة إلى عدم التعرض للمشاهد المؤلمة من إصابات وقتلى وأشلاء ممزقة».
استشاري الطب النفسي ينصح المواطن للخروج من حالة الاكتئاب والضغط العصبي بالقيام بعمل يحبه سواء كان الجلوس مع أشخاص يحبهم أو يخرج إلى مكان يحبه أو مشاهدة أفلام ومسلسلات بحيث يبعد عن قنوات الأخبار، مشددا على ضرورة البعد عن مواقع التواصل الاجتماعي وعمل تنقية للمصادر والقنوات والبرامج الحوارية التي يستقى منها الأخبار، وبما لا يسبب له اكتئاب.
«فرويز» يشير إلى أنه مع مرور الوقت متابعة الناس لأحداث غزة ستقل بالتدريج، مناشدا بعدم نشر فيديوهات وصور مؤلمة على حالات «الواتس أب» و«الفيس بوك»، مستكملا حديثه قائلا: «كلما يتناسى المواطن الأحداث ويمارس حياته بصورة طبيعية تتحسن حالته النفسية، والعكس إذا ركز مع الأحداث فإن الحالة النفسية تزداد سوء».






















