الدساتير ليست نصوصًا مقدسة جامدة، وإنما كائنات قانونية حية تتطور بتطور الدولة والمجتمع، وتخضع بطبيعتها للمراجعة كلما كشفت الممارسة العملية عن الحاجة إلى إعادة الضبط أو التحديث.
ومن ثم فإن الحديث عن تعديلات دستورية قادمة لا ينبغي النظر إليه باعتباره خروجًا على الاستقرار الدستوري، بل باعتباره أحد مظاهر النضج السياسي والقانوني للدول الحديثة.
فالدستور المصري الصادر عام 2014، والمعدل في 2019، جاء في ظرف تاريخي استثنائي عاشته الدولة المصرية عقب سنوات من الاضطراب السياسي والمؤسسي، وكان هدفه الأساسي آنذاك استعادة الاستقرار، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ فكرة بقاء الدولة الوطنية في مواجهة تحديات غير مسبوقة.
وقد نجح الدستور بالفعل في تحقيق قدر معتبر من الاستقرار المؤسسي، وأسهم في إعادة بناء هياكل الدولة، إلا أن مرور السنوات كشف ـ بطبيعة التطبيق العملي ـ عن بعض النصوص التي تحتاج إلى مراجعة أو إعادة صياغة أو مزيد من الضبط التشريعي.
إن قوة أي دستور لا تُقاس فقط بما يتضمنه من نصوص، وإنما أيضًا بقدرته على التكيف مع الواقع العملي دون الإضرار بثوابته الأساسية، فهناك فارق بين تعديل يمس هوية الدولة أو استقرارها، وبين تعديل يستهدف تطوير الأداء المؤسسي وتحقيق التوازن بين السلطات وتدعيم الحقوق والحريات العامة.
ومن أبرز الملفات التي تستحق إعادة النظر مستقبلًا، النصوص المنظمة للعلاقة بين السلطات العامة، وخاصة ما يتعلق بالتوازن الدقيق بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، بما يعزز من فكرة الاستقلال المؤسسي ويحافظ في الوقت ذاته على كفاءة إدارة الدولة.
فالتجربة العملية أثبتت أن بعض النصوص المرتبطة بتعيين رؤساء الجهات والهيئات القضائية ما زالت تثير نقاشًا فقهيًا واسعًا داخل الأوساط القانونية، وهو نقاش مشروع وصحي في أي دولة تحترم تطور الفكر الدستوري.
كذلك فإن ملف الإدارة المحلية يظل من أكثر الملفات احتياجًا للتفعيل الدستوري الحقيقي، خاصة مع تأخر إجراء انتخابات المجالس المحلية لسنوات طويلة، رغم أن الدستور منح الإدارة المحلية دورًا مهمًا في تحقيق التنمية والرقابة الشعبية.
ومن ثم فإن إعادة النظر في بعض النصوص المنظمة لهذا الملف قد تكون ضرورة عملية لضمان سرعة التفعيل وتحقيق اللامركزية بصورة أكثر كفاءة.
كما أن بعض المواد الانتقالية التي ارتبطت بمرحلة زمنية معينة أصبحت بحاجة إلى مراجعة، لأن الدساتير لا ينبغي أن تبقى محملة بنصوص انتهى غرضها العملي أو السياسي، فالتنقية الدستورية أحيانًا تكون مطلوبة للحفاظ على تماسك الوثيقة الدستورية ذاتها.
ولا يمكن إغفال الحاجة إلى مراجعة بعض النصوص المتعلقة بالحقوق والحريات، خاصة تلك التي يرتبط تطبيقها بتشريعات مكملة، وذلك لضمان تحقيق التوازن بين مقتضيات الأمن القومي وحقوق الأفراد وحرياتهم العامة، في إطار دولة القانون التي نص عليها الدستور ذاته.
إن الدعوة إلى تعديلات دستورية مستقبلية لا تعني أبدًا هدم البناء الدستوري القائم، وإنما تعني تطويره واستكمال نضجه، فالدساتير العظيمة في التاريخ لم تبقَ ثابتة، بل تطورت مع تطور مجتمعاتها، لأن الجمود الكامل قد يحول النصوص الدستورية من أداة لتنظيم الدولة إلى عبء على تطورها.
ويبقى المعيار الحقيقي لأي تعديل دستوري قادم هو أن يكون نابعًا من احتياجات واقعية، وأن يتم في إطار حوار وطني وقانوني واسع، يشارك فيه فقهاء القانون والقوى السياسية والمؤسسات الوطنية، بما يضمن الحفاظ على استقرار الدولة من جهة، وتحقيق التطور المؤسسي والدستوري من جهة أخرى.
فالدستور ليس مجرد وثيقة للحكم، بل عقد دائم بين الدولة والمجتمع، وكل عقد يحتاج من وقت لآخر إلى مراجعة تضمن بقاءه صالحًا للحياة والتطبيق.





















