أصبح من اللافت في السنوات الأخيرة انتشار ظاهرة اصطحاب بعض الأشخاص لأعداد كبيرة من الحراس الشخصيين، رغم أن طبيعة أعمالهم أو أوضاعهم الأمنية لا تستدعي ذلك، وقد تحولت الحراسة في بعض الأحيان من وسيلة للحماية إلى وسيلة لإظهار النفوذ وإشعار المواطنين بوجود سلطة موازية لسلطة الدولة.
ومن ثم فإن الحاجة أصبحت ملحة لإصدار تشريع ينظم الحراسات الشخصية، بحيث لا يُسمح لأي شخص طبيعي أو اعتباري بالاستعانة بحراس شخصيين إلا وفق ضوابط محددة وترخيص صادر من الجهة المختصة، ويكون الأصل ألا يزيد عدد الحراس المرافقين للشخص عن فرد واحد، ما لم تقتضِ الضرورات الأمنية خلاف ذلك بناءً على تقييم أمني رسمي ومسبب.
كما يجب أن ينص القانون على حظر تكوين مجموعات حراسة كبيرة حول الأشخاص العاديين أو رجال الأعمال أو أصحاب النفوذ دون سند قانوني، مع توقيع عقوبات مالية وجنائية على من يخالف ذلك، سواء كان طالب الخدمة أو الشركة المقدمة لها.
ولا يقتصر الأمر على تنظيم أعداد الحراس فقط، بل يمتد إلى منع استعراض القوة أو استخدام الحراسة الشخصية كوسيلة للتأثير على المواطنين أو ترهيبهم أو إظهار مكانة استثنائية لا يقرها القانون، فالدولة الدستورية الحديثة لا تعرف أشخاصًا فوق المجتمع أو فوق القانون، ولا يجوز أن تتحول الشوارع والميادين العامة إلى ساحات لاستعراض النفوذ تحت غطاء الحماية الشخصية.
إن الدولة الحديثة تحتكر وحدها استخدام القوة وتنظيم وسائل الحماية، ولا يجوز السماح بظهور مشاهد توحي بوجود جيوش خاصة أو حراسات موازية للسلطة العامة، فالمواطن يجب أن يشعر أن الأمن مسؤولية الدولة وأجهزتها، لا مسؤولية مجموعات من الأفراد مهما كانت صفاتهم.
كما أن انتشار ظاهرة الحراسات المبالغ فيها يخلق شعورًا بعدم المساواة بين المواطنين، ويبعث برسالة سلبية مفادها أن النفوذ الشخصي أصبح بديلًا عن سيادة القانون، وهو ما يتعارض مع مبادئ الجمهورية الجديدة التي تقوم على احترام المؤسسات وتكافؤ الفرص وسيادة الدستور والقانون.
ولعل من المناسب أن يتضمن القانون استثناءات محددة لبعض الفئات التي تواجه تهديدات حقيقية ومثبتة، على أن يكون تحديد عدد الحراس ومدته بقرار من الجهات الأمنية المختصة، مع مراجعة دورية لهذه التصاريح، بحيث تظل الحماية مرتبطة بالحاجة الأمنية الفعلية لا بالمكانة الاجتماعية أو القدرة المالية.
كما أقترح أن ينص القانون على عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنتين، وغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تزيد على خمسمائة ألف جنيه لكل من استعان بحراسة شخصية بالمخالفة للقانون أو تجاوز العدد المرخص به، مع جواز مضاعفة العقوبة في حالة العود، وإلغاء الترخيص ومصادرة أدوات ومعدات الحراسة المستخدمة بالمخالفة.
إن تنظيم الحراسات الشخصية لا يستهدف تقييد الحريات، وإنما يهدف إلى حماية النظام العام، وترسيخ مبدأ المساواة بين المواطنين، ومنع استعراض النفوذ، والحفاظ على هيبة الدولة وسيادة القانون، حتى يبقى الاحتكام للمؤسسات والقانون وحدهما، لا لمظاهر القوة أو كثرة الأتباع.



















