لم يعد الذهب في المشهد الاقتصادي العالمي مجرد قطعة من المعدن النفيس تحفظ في الخزائن أو تستخدم للزينة، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ورقة استراتيجية تعيد الدول والمستثمرون حساباتهم بشأنها، في وقت يشهد فيه العالم أزمات متلاحقة، وتوترات جيوسياسية، وتغيرات كبيرة في شكل النظام المالي العالمي.
وخلال عام 2025، سجل الذهب واحدة من أقوى موجاته الصعودية في تاريخه الحديث، بعدما تجاوز حجم الطلب العالمي عليه حاجز 5000 طن بقيمة تخطت 555 مليار دولار، بينما وصل متوسط سعر الأوقية إلى نحو 3431 دولارًا، محققًا ارتفاعًا يقارب 44% مقارنة بالعام السابق، في ظل إقبال متزايد من المستثمرين والبنوك المركزية على المعدن الأصفر باعتباره أداة للحماية من تقلبات الأسواف
الذهب في مصر.. من وسيلة ادخار إلى أصل استثماري
ويؤكد الدكتور محمد رجب، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، في تصريح خاص لموقع الحرية الإخباري، أن الذهب دخل مرحلة جديدة تختلف عن فترات الصعود السابقة، موضحًا أن أهم ما يميز هذه المرحلة هو انتقال الذهب من كونه مجرد ملاذ تقليدي وقت الأزمات إلى أصل استراتيجي تعتمد عليه الدول في إدارة المخاطر الاقتصادية.
وأشار إلى أن البنوك المركزية أصبحت اللاعب الأبرز في سوق الذهب خلال الفترة الأخيرة، بعدما رفعت مشترياتها إلى مستويات تاريخية، حيث تجاوزت حاجز 1000 طن سنويًا في عدة أعوام متتالية، مسجلة 1082 طنًا خلال عام 2022، و1037 طنًا في 2023، ثم وصلت إلى 1092 طنًا خلال 2024، قبل أن تسجل نحو 863 طنًا في 2025.

وأوضح أن استمرار هذه المشتريات يعكس تغيرًا واضحًا في طريقة إدارة الاحتياطيات الدولية، خاصة لدى الدول الناشئة التي بدأت تبحث عن أدوات أكثر أمانًا بعيدًا عن التركيز الكامل على الدولار، في ظل التقلبات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
احتياطي الذهب المصري يرتفع ضمن استراتيجية التنويع
وفي المقابل، تظل الولايات المتحدة صاحبة التأثير الأكبر على حركة الذهب من خلال قرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
فكلما ارتفعت الفائدة الأمريكية، زادت جاذبية الدولار والسندات، وهو ما يمثل ضغطًا على أسعار الذهب، بينما يؤدي اتجاه خفض الفائدة إلى دعم المعدن الأصفر نتيجة تراجع تكلفة الاحتفاظ به مقارنة بالأصول الأخرى.
ويشير رجب إلى أن عام 2026 سيكون عامًا حاسمًا بالنسبة للذهب، خاصة مع ترقب الأسواق لتحركات السياسة النقدية الأمريكية، والتي ستحدد بشكل كبير ما إذا كان المعدن سيواصل تسجيل مستويات قياسية جديدة أو يدخل مرحلة من الاستقرار والتصحيح.
ورغم ارتفاع الأسعار، فإن الذهب يواجه تحديًا رئيسيًا يتمثل في محدودية المعروض، حيث لا يمكن زيادة الإنتاج بسرعة لمواكبة الطلب المتزايد، إذ يحتاج تطوير المناجم الجديدة إلى سنوات طويلة من عمليات الاستكشاف والاستثمار قبل بدء الإنتاج.
ويبلغ إنتاج مناجم الذهب عالميًا نحو 3670 طنًا سنويًا تقريبًا، مع معدلات نمو محدودة في الإنتاج، وهو ما يجعل أي زيادة في الطلب العالمي عاملًا داعمًا لاستمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة.
وفي مصر، أصبح الذهب خلال السنوات الأخيرة أكثر من مجرد وسيلة للزينة أو الادخار التقليدي، حيث تحول إلى أحد أهم أدوات الحفاظ على القيمة في ظل المتغيرات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم وتغيرات سوق الصرف.
وشهدت السوق المحلية تحولًا في طبيعة الطلب، فلم تعد المشغولات الذهبية هي الخيار الوحيد أمام المواطنين، بل ارتفع الإقبال على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها أدوات استثمارية طويلة الأجل.
وتقدر مستويات استهلاك مصر السنوي من الذهب بما يتراوح بين 50 و60 طنًا تقريبًا وفقًا لحركة السوق والأسعار.
زيادة مكون الذهب داخل الاحتياطي
كما لم يقتصر الاهتمام بالذهب على المواطنين فقط، بل امتد إلى السياسة النقدية، حيث عمل البنك المركزي المصري على زيادة مكون الذهب داخل الاحتياطي الدولي، لترتفع حيازات مصر إلى أكثر من 125 طنًا تقريبًا خلال عام 2025، مقابل نحو 75 طنًا قبل عقد تقريبًا، في خطوة تتماشى مع الاتجاه العالمي لتنويع الاحتياطيات.

ويمثل قطاع التعدين أحد أهم الفرص أمام مصر لتعظيم الاستفادة من ثرواتها الطبيعية، خاصة مع وجود منجم السكري الذي يعد من أكبر مناجم الذهب في الشرق الأوسط، بإنتاج سنوي يتراوح بين 450 و500 ألف أوقية تقريبًا.
لكن مستقبل صناعة الذهب في مصر لا يرتبط فقط بحجم الإنتاج، وإنما بقدرة الدولة على بناء منظومة متكاملة تبدأ من زيادة أعمال البحث والاستكشاف، مرورًا بجذب الاستثمارات العالمية، وصولًا إلى التوسع في التكرير والتصنيع وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة وتجارة الذهب.
ورغم أن بعض المحللين يحذرون من احتمالية حدوث تصحيحات سعرية بعد الارتفاعات الكبيرة التي شهدها الذهب، فإن العوامل الأساسية التي تدعم المعدن الأصفر ما زالت قوية، وفي مقدمتها استمرار مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع مستويات الديون العالمية، واستمرار التوترات الجيوسياسية، إلى جانب توقعات تراجع أسعار الفائدة عالميًا.
ويرى الدكتور محمد رجب أن الذهب لا يعيش مجرد موجة ارتفاع مؤقتة، وإنما يمر بمرحلة إعادة تعريف لدوره في الاقتصاد العالمي، حيث أصبح جزءًا من استراتيجية الدول والمستثمرين لمواجهة المخاطر وحماية الثروة.
أما بالنسبة لمصر، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في امتلاك الذهب، سواء لدى الأفراد أو داخل الاحتياطي النقدي، وإنما في تحويل هذه الثروة إلى قيمة اقتصادية حقيقية من خلال تطوير التعدين، وزيادة التصنيع، ودعم التصدير، ليصبح الذهب أحد محركات النمو وليس مجرد مخزن للقيمة
نرشح لك.. ارتفاع الذهب عالميًا فوق 4070 دولارًا للأونصة مع تراجع النفط وترقب تطورات الشرق الأوسط





















