تعد منصة FBC الوجه الجديد لـ«المستريح» من حيل الأبواب المغلقة إلى فخ الإنترنت المفتوح، حيث شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تكرارًا ملحوظًا لعمليات النصب والاحتيال التي تستهدف المواطنين الباحثين عن الربح السريع.
وعلى الرغم من اختلاف الأساليب، فإن الهدف واحد: جمع الأموال بوعود خادعة بعوائد ضخمة، ثم الاختفاء فجأة، تاركين الضحايا في مواجهة الخسائر.
ويأخذ هذا النصب شكلين رئيسيين، النصب التقليدي المعروف بظاهرة “المستريح”، والنصب الإلكتروني عبر منصات استثمارية وهمية مثل منصة FBC.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على أوجه التشابه والاختلاف بين الظاهرتين، ونناقش كيف تطور الاحتيال من الأساليب التقليدية إلى استغلال التكنولوجيا الحديثة.

النصب التقليدي المستريح وخداع البسطاء
برز مصطلح “المستريح” في مصر لوصف الأفراد الذين يقومون بجمع أموال المواطنين بحجة استثمارها مقابل عوائد مالية مغرية، ليختفوا لاحقًا بعد الاستيلاء على مبالغ ضخمة.
ولعل أبرز مثال على ذلك أحمد مصطفى، المعروف باسم “أحمد المستريح”، الذي اتُهم في عام 2015 بالاستيلاء على 30 مليون جنيه من المواطنين.
وتعتمد هذه العمليات على استغلال الفئات البسيطة في القرى والمناطق الريفية، حيث يُستخدم الإقناع الشخصي وبناء الثقة لجذب الضحايا.
وتتكرر هذه الحالات بين الحين والآخر، حيث يظهر مستريح جديد في محافظة مختلفة، ليتبع النمط ذاته من الخداع، ثم يفر هاربًا بعد الاستيلاء على الأموال.
النصب الإلكتروني منصة FBC نموذجًا
مع التطور التكنولوجي وانتشار الإنترنت، انتقلت عمليات الاحتيال إلى الفضاء الإلكتروني، ومنصة FBC تمثل أحد أحدث الأمثلة على هذا النوع من الاحتيال.
وظهرت هذه المنصة ككيان استثماري يَعِد المستخدمين بأرباح كبيرة مقابل تنفيذ مهام يومية بسيطة، مثل مشاهدة مقاطع الفيديو.
تم إطلاق تطبيق FBC على متجري “جوجل بلاي” و”آبل ستور” في فبراير 2025، ونجح سريعًا في استقطاب نحو 15 ألف مستخدم، ما عزز من مصداقيته في نظر الضحايا.
عملت المنصة بنظام الاشتراكات المدفوعة، حيث يُطلب من المستخدمين دفع مبالغ مالية للاشتراك في باقات استثمارية مختلفة، مع وعود بعوائد يومية مرتفعة.
على سبيل المثال، إحدى الباقات التي كانت متاحة للمستخدمين المصريين بقيمة 11,200 جنيه مصري، وعدت المستثمرين بأرباح يومية تصل إلى 490 جنيهًا، مع مكافأة إضافية بقيمة 5000 جنيه.
ولكن في فبراير 2025، صُدم المستخدمون بإغلاق المنصة فجأة واختفاء المسؤولين عنها، مما أدى إلى خسائر مالية فادحة.
تشير التقديرات إلى أن المنصة تمكنت من جمع ما يزيد عن 6 مليارات دولار من أكثر من مليون مستثمر حول العالم، من بينهم العديد من المصريين.

التشابه والاختلاف بين المستريح التقليدي والإلكتروني
رغم اختلاف الوسائل، تتشابه عمليات النصب التقليدية والإلكترونية في كونها تعتمد على استغلال رغبة الأفراد في تحقيق الربح السريع. ولكن يكمن الاختلاف الأساسي في آلية التنفيذ:
المستريح التقليدي يعتمد على العلاقات الشخصية، ويستهدف الفئات التي تعتمد على الثقة المباشرة في التعاملات المالية.
المستريح الإلكتروني يستغل التكنولوجيا والإعلانات الموجهة عبر الإنترنت لاستقطاب عدد كبير من الضحايا بسرعة، ويصعب تتبع القائمين عليه بسبب الطبيعة الرقمية للمعاملات.
تفاصيل الإيقاع بالضحايا عبر منصة FBC والقبض على المتهمين
أظهرت التحريات الأمنية أن المتهم الرئيسي في قضية منصة FBC يُدعى “ح.ع”، ويعاونه عدد من الأفراد، معظمهم من محافظات الدلتا.
تم تشكيل فريق أمني موسع لملاحقتهم والقبض عليهم.
اعتمدت المنصة في الترويج لنفسها على الاستعانة بمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث لعبت الإعلانات الممولة على “إنستجرام” و”تيك توك” دورًا رئيسيًا في جذب المستخدمين.
فور إطلاق التطبيق، بادر المستخدمون بتحميله، مدفوعين بثقة زائفة بُنيت على الحملات الترويجية المكثفة.
ومن أجل تعزيز مصداقيتها، نظمت المنصة حفلاً صغيرًا للمستثمرين في منطقة كورنيش إمبابة، قبل أيام قليلة من إغلاق التطبيق، ليكون بمثابة الطُعم الأخير للإيقاع بالمزيد من الضحايا.
الذكاء الاصطناعي وسيلة جديدة للاحتيال
مع تزايد الاهتمام بالذكاء الاصطناعي، بدأت بعض منصات الاحتيال، مثل FBC، باستغلاله في تسويق نفسها على أنها تعتمد على تقنيات متطورة لإدارة الاستثمارات.
لكن مع التدقيق، تبيّن أن المنصة لا تخضع لأي جهة تنظيمية مالية رسمية، مما زاد من الشكوك حول مصداقيتها.
في الأسابيع الأخيرة قبل الإغلاق، بدأت التحذيرات تتزايد حول احتمالية أن تكون FBC استمرارًا لمنصات احتيالية سابقة، مثل منصة PHD التي احتالت على مستثمرين في الأردن بملايين الدنانير.
ومع ذلك، لم يتردد المستخدمون في الاستثمار، مدفوعين بالأرباح الوهمية التي كانوا يحصلون عليها في البداية.
لحظة الانهيار والفرار الكبير
مع اختفاء المنصة، حاول القائمون عليها التلاعب بالمستخدمين من خلال الادعاء بأنهم تعرضوا لهجوم سيبراني، ووعدوا بإعادة الأمور إلى نصابها. لكن الحقيقة سرعان ما ظهرت عندما بدأت البلاغات تتوالى على أقسام الشرطة، مطالبة بالقبض على المسؤولين عن المنصة.
وبهذا، تتحول منصة FBC إلى أحدث نموذج للاحتيال الإلكتروني الذي يسير على خطى “المستريح” التقليدي، مستغلاً تكنولوجيا العصر الحديث لتحقيق الأهداف ذاتها: جمع الأموال بوعود زائفة، ثم الفرار، وترك الضحايا في مواجهة واقع مرير.

تعلقيات رواد مواقع التواصل الاجتماعي على ضحايا منصة FBC
تفاوتت تعليقات رواد مواقع التواصل الاجتماعي على ضحايا منصة FBC بين السخرية واللوم، حيث اعتبر البعض أن الطمع هو السبب الرئيسي في وقوعهم ضحية لهذا الاحتيال، فقال أحدهم: “طول ما الطماع موجود، النصاب بخير”، بينما أبدى آخرون استغرابهم من تصرفات الضحايا الذين باعوا ممتلكاتهم واقترضوا أموالًا للاستثمار في المنصة، معلقين: “المشكلة أنهم باعوا كل ممتلكاتهم واقترضوا من ناس كمان، فعلا الطماع فريسة النصاب”.
وجاءت بعض التعليقات قاسية ومتهكمة، مثل: “والله خبر يشرح القلب، يستاهلوا”، و”دي آخرت الطمع وأكل الحرام”، في حين اكتفى آخرون بالتعبير عن رضاهم قائلين: “الحمد لله على نعمة العقل”.
تعليق عمرو أديب على ضحايا منصة FBC
أوضح الإعلامي عمرو أديب، خلال برنامجه الحكاية على قناة mbc مصر، أن هناك مواطنين لا يزالون يضعون أموالهم مع أشخاص لا يعرفونهم، مشيرًا إلى أن منصة FBC الإلكترونية كانت تقدم أرباحًا في البداية، لكن للوصول إلى أرباح أعلى، كان يجب دفع المزيد من الأموال، مما دفع البعض إلى بيع ممتلكاتهم.
وأضاف أديب، مستنكرًا، أن بعض المواطنين لجأوا إلى بيع كل ما يملكون، حتى “الجاموسة اللي حيلتهم”، للاستثمار في المنصة، التي انتهى بها الأمر بالاحتيال عليهم، متسائلًا: “كنت فين وانت بتفكر؟ البنك على الناصية، وإحنا أكتر بلد فيها بنوك!”.
كيف نحمي أنفسنا من المستريح الإلكتروني؟
بات من الضروري التوعية بمخاطر هذه العمليات الاحتيالية، سواء التقليدية أو الرقمية، والتأكد من مصداقية أي منصة استثمارية قبل وضع الأموال فيها، والتأكد إنها تابعة لجهات رسمية مختصة لضمان كافة الحقوق.
كما يجب أن يكون هناك دور أكبر للجهات الرقابية في رصد هذه المنصات ومنعها قبل وقوع الكارثة.
وفي النهاية، يظل الاحتيال، سواء كان وجهًا لوجه أو عبر الإنترنت، قائمًا على نفس المبدأ: الطمع في الربح السريع دون تدقيق، وهو ما يستغله المحتال.





















