تقرير: سمر أبو الدهب – محمد مؤمن
لسنوات طويلة، كان البيض هو القاسم المشترك على مائدة الإفطار المصرية؛ فهو الحل السريع للأم، والوجبة الصحية المتكاملة للطفل قبل مدرسته، وفي يونيو 2018، ومع بداية تولي حكومة مدبولي، كان سعر كرتونة البيض يتراوح بين 30 إلى 35 جنيهاً، وكان من المعتاد أن تشتريها الأسر كجزء أساسي من الخزين الأسبوعي دون تفكير طويل في الميزانية.
أما اليوم، ونحن في يناير 2026، نجد أن هذا المكون الأساسي قد تحول إلى عبء مالي ثقيل، خاصة بعد ما قفز سعر الكرتونة ليتجاوز حاجز الـ 170 و180 جنيهاً في بعض المناطق والأحياء، مما جعل الكثير من العائلات تضطر لتقنين استهلاكه أو الاستغناء عنه تماماً.
نرشح لك: سنوات الصدمة.. الدين الخارجي في عهد مدبولي يصل ذروته ويضع الحكومة “في مأزق”
محطات الصعود.. رحلة الكرتونة من 30 إلى 150 جنيهاً
وبحسب بيانات اتحاد منتجي الدواجن، وبالنظر إلى لغة الأرقام خلال الثماني سنوات الماضية، نجد أن سعر كرتونة البيض سلك مساراً تصاعدياً حاداً؛ ففي عام 2018 كانت الكرتونة تُباع بمتوسط يتراوح بين 30 إلى 35 جنيهاً، وهو السعر الذي حافظ على استقراره مع زيادات طفيفة حتى عام 2020.
ومع حلول عام 2022، بدأت الصدمة السعرية الأولى، حيث قفزت الكرتونة تدريجياً لتتخطى حاجز الـ 80 جنيهاً، قبل أن تواصل رحلتها الصعبة في عام 2023 لتسجل مستويات بين 100 و120 جنيهاً.
ولم يتوقف قطار الغلاء عند هذا الحد، بل شهد عام 2024 ذروة الأزمة بوصول السعر إلى 150 جنيهاً نتيجة نقص الإنتاج وأزمة الأعلاف، وصولاً إلى وضعنا الحالي في مطلع 2026 الذي يشهد حالة من التذبذب السعري ما بين 130 إلى 150 جنيهاً للكرتونة حسب المنطقة.
دوامة التكاليف.. والمواطن هو “الحلقة الأضعف”
لم تأتي الأزمة من فراغ، بل كانت نتيجة لدوامة من الارتفاعات التصاعدية في أسعار الأعلاف المرتبطة بسعر الدولار، وتكاليف النقل والتدفئة للمزارع.
ورغم أن الحكومة بررت هذه الزيادات بظروف عالمية وأزمات استيراد، إلا أن الواقع على الأرض يقول إن المواطن المصري هو من يدفع الفاتورة النهائية هو وعائلته، حيث أن كل زيادة في سعر الأغلاف أو الدولار أو الوقود، تُترجم فوراً في فاتورة السوبر ماركت، ليجد رب الأسرة نفسه أمام خيارات صعبة، فهل يقلل من جودة غذاء أطفاله، أم يقتطع من بنود أخرى ليشتري كرتونة بيض أصبحت تُعامل معاملة السلع الترفيهية.
الأهمية الصحية الضائعة وسط الغلاء
يعد الخطر الحقيقي في هذه الأزمة ليس مجرد رقم في فاتورة، بل هو خطر صحي يهدد أجيالاً كاملة، فالبيض كان يمثل أحد أرخص وأجود مصادر البروتين الحيواني والعناصر الضرورية لنمو الأطفال وبناء عقولهم.
ومع استمرار ارتفاع الأسعار، تتقلص الحصة الغذائية السليمة للأسر محدودة الدخل، وهو ما يضعنا أمام مفارقة مؤلمة؛ حيث يضطر المواطن للتنازل عن أساسيات صحته وصحة أولاده بسبب عجز الدخل عن ملاحقة الوتيرة التصاعدية للأسعار التي لا تتوقف.
البحث عن حلول.. كفى “فرمًا” للمواطن
إن مواجهة أزمة مثل أزمة البيض تتطلب حلولاً تتجاوز مجرد التصريحات الرسمية أو إطلاق المبادرات المؤقتة، إذ إن المواطن المصري الذي تحمل وعانى الكثير وفي حاجة اليوم إلى سياسات تضرب جذور المشكلة؛ من خلال توفير الأعلاف بأسعار مدعومة، ورقابة حقيقية على كبار المحتكرين والموزعين، وضمان وصول السلع من المنتج للمستهلك دون سماسرة يرفعون السعر للضعف.
كما أن المسئولية تقتضي ألا يظل المواطن هو الطرف الوحيد الذي يسدد فاتورة الغلاء والديون من قوته وصحته؛ فالحكومة مطالبة اليوم بتبني بدائل اقتصادية حقيقية ومصادر تمويلية، بعيداً عن سياسة فرم المواطن التي استنزفت قدرته على الصمود.





















