مع اقتراب عيد الفطر، تفوح رائحة كعك العيد من البيوت والمخابز في مختلف أنحاء مصر، معلنة اقتراب واحدة من أهم طقوس الاحتفال التي ينتظرها المصريون كل عام.
لكن الكعك ليس مجرد حلوى تقليدية تُقدَّم في العيد، بل هو جزء من تاريخ طويل يمتد لآلاف السنين، ويحمل في طياته ملامح من الحضارة المصرية القديمة التي ما زالت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للمصريين حتى اليوم.
جذور فرعونية لطقس العيد
وتعود أصول صناعة كعك العيد إلى الحضارة المصرية القديمة، حيث عرف المصريون القدماء المخبوزات وأبدعوا في صناعتها، حتى وصل عدد أنواعها إلى أكثر من مائة نوع، وكان الكعك يُعد من الدقيق والسمن والعسل، إذ لم يكن السكر معروفًا آنذاك، فكان العسل أو العجوة المصنوعة من التمر بديلًا طبيعيًا للتحلية.
وكان الكعك يُصنع في كثير من الأحيان على شكل أقراص دائرية ترمز إلى قرص الشمس المرتبط بالإله رع، وكانت تُنقش عليه زخارف هندسية تشبه أشعة الشمس، في دلالة رمزية على النور والطاقة والحياة.
الكعك على جدران المقابر
كما لم تكن صناعة الكعك مجرد عادة غذائية، بل وثّقها المصريون القدماء في نقوشهم، حيث تظهر مشاهد إعداد المخبوزات على جدران مقبرة الوزير رخ مي رع، وزير الملك تحتمس الثالث من الأسرة الثامنة عشرة، وهو ما يعكس أهمية هذه المخبوزات في الطقوس الدينية والاجتماعية آنذاك.
تقاليد مستمرة عبر العصور
ومع تعاقب العصور، استمرت عادة صناعة الكعك في مصر، وانتقلت من العصر الفرعوني إلى القبطي ثم الإسلامي، مع تطور أشكاله وطرق إعداده، لكنه ظل محتفظًا برمزيته كأحد أبرز مظاهر الاحتفال بالمناسبات والأعياد.
وفي العهدين الطولوني والإخشيدي، شهدت هذه العادة بعض الإضافات الطريفة، إذ ابتكر الوزير أبو بكر المادرائي تقليدًا يتمثل في وضع قطعة ذهبية داخل إحدى الكعكات، وكان يدعو رجال البلاط لتناولها قائلاً: “أفطن إليه”، أي انتبهوا لما بداخلها، في تقليد جمع بين المرح والمفاجأة.
حلوى تحمل عبق التاريخ
وأكدت الدكتورة ولاء محمد، أستاذ التاريخ الإسلامي والمحاضر الدولي، أن كعك العيد يُعد من أقدم مظاهر الاحتفال في مصر، مشيرة إلى أن جذوره تعود إلى الحضارة المصرية القديمة، حيث استخدمه المصريون في الأعياد والطقوس الدينية منذ آلاف السنين.
وأضافت خلال لقائها مع الإعلامي محمد جوهر، والإعلامية نهاد سمير المذاع على قناة “صدى البلد”، أن كلمة “كحك” يُرجح أن أصلها يعود إلى كلمة “عك” في اللغة القبطية المشتقة من المصرية القديمة، وتعني العجن، وهو ما يعكس ارتباط الاسم بطبيعة صناعته.
طقس لا يغيب عن المصريين
ورغم مرور آلاف السنين وتغير أنماط الحياة، لا يزال كعك العيد يحتفظ بمكانته في قلوب المصريين، حيث تتحول صناعته في كثير من البيوت إلى طقس عائلي يجمع الأمهات والبنات حول إعداد العجين وتشكيل الكعك ورشه بالسكر.
وهكذا يبقى كعك العيد أكثر من مجرد حلوى تُقدَّم في المناسبات، بل قطعة من التاريخ المصري الممتد، تعكس استمرار التقاليد وارتباط المصريين بتراثهم، جيلاً بعد جيل، مع كل عيد جديد.
اقرأ أيضا..أرزاق العيد.. مهن موسمية تنتعش مع استعدادات المصريين لاستقبال عيد الفطر





















