تفرنجنا.. أو بالأحرى، أخذنا قشور سمكة الفرنجة الفاسدة، ثقافة الاستهلاك، أو «الوجبات الثقافية السريعة»، واكتفينا بالطفو فوق تيار الحضارة الإنسانية كشجيرات بلا جذور، بينما تفرغت النخب في صراعات الديكة حول المناصب أو فروع المسائل، وانسحب المشهد الثقافي أو كاد، كي يترك فراغًا هائلاً ومخيفاً تتسلل منه الخرافة والأوهام.
رحم الله زمن لوح الأردواز والكتاتيب التي أشبعناها سخرية وتجريحًا، حين كانت أجيال أجدادنا في طفولتها تحفظ القرآن وألفية ابن مالك وبديع الشعر والنثر، فتشب مسلحة باللغة التي تعد الأساس الأول لبناء الشخصية القومية.
لن أضيف جديدًا إذا ذكرت أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما المخزون الحقيقي للقيم لأي جماعة بشرية، فإذا اضمحلت أو شحبت اهتز ذلك المخزون وتاهت الجماعة بحثاً عن هويتها.
لقد كان الهم الأول للحركة الصهيونية هو إحياء اللغة العبرية، وكان الآباء المؤسسون للحركة يدركون أنها الوعاء الحافظ للهوية رغم تمزق اليهود وتناثرهم بين قوميات مختلفة، وأتصور أن هذه الاستراتيجية الثقافية لا تقل خطورة أو أهمية عن الاستراتيجية العسكرية لهذه الحركة التي نجحت في الحالتين.
من الطبيعي أن إحدى ضرائب التخلف هي أن الأمم المهزومة أو المستضعفة تصاب بعقدة نقص تجاه ثقافات الأمم المنتصرة القوية، وبدلاً من محاولة استدعاء القيم الأصيلة للثقافة الأصلية، وإعادة إنتاجها وتجديدها، فإنها تكتفي باستعارة المظهر الحضاري للأمم المنتصرة، بل وتحتقر خلال ذلك موروثها القيمي، وقد كانت تلك إشكالية أغلب حركات الإصلاح التي انبهرت ببريق الحضارة الغربية، فانقضت بشراسة علي ميراثها القومي تهلهله وتدوسه بالأقدام باعتباره سببًا للتخلف، وفي نفس الوقت تتعلق بتلابيب الغرب كي «تشفط» من ثقافاته كل ما يمكن ابتلاعه بغض النظر عن محتواه.
لذلك كانت هناك ظاهرة الشيزوفرينيا الثقافية، حيث تجد «المثقف» الذي انفصم ما بين انبهار بالغرب يملأ عقله ، وحنين للتراث يحتوي أحاسيسه .. ما بين «انحناء» لكل ما يفرزه الغرب، و «احتقار» يصل إلي جلد الذات لكل موروثه، ويسفر ذلك عن تلك «الازدواجية المختلطة» التي تخاطب العقل العربي، وبعد ذلك نشكو من ضياع الهوية.
ورغم أهمية العملية التعليمية في إذكاء وإعلاء شأن اللغة العربية، فإن الإعلام بكافة وسائله يتحمل في هذا العصر مسؤولية أكبر، فقد صار هذا الإعلام وخاصة المرئي بمثابة الجليس الذي يصاحب الإنسان في صحوه ومنامه ، وبقدر ما يفرز هذا الجليس بقدر ما يمتص المتلقي، ومن المؤسف أن العديد من المنافذ الإعلامية تمتلئ بلغة ركيكة ناهيك عن الأخطاء العديدة، بل ووصل الأمر إلي سيادة اللغة الدارجة العامية بما استعارته من مصطلحات غريبة، وهكذا انقلبت الآية، فأصبحت النخب هي التي تتلقي لغة الشارع وتتولي الترويج لها، بعد أن تخلت عن واجبها في الارتقاء بلغة الشارع والحفاظ علي مخزون الأمة من القيم.
وقد زاد الطين بلة ذلك المصطلح العجيب الذي شاع استخدامه مؤخراً ، وأعني مصطلح «هات من الآخر»، لا يتذكر ثقاة المؤرخين بالضبط متي بدأ هذا الزمن الجديد، وكأنما هو زمن غافل الزمن وتسلل إلينا، أو قطار داهمنا فجأة بينما كنا نسترخي فوق قضبان التاريخ و نمص عيدان القصب، أو نيزك سقط فوق رؤوسنا فأحرق فيها مركز الذاكرة ومراكز الشعور والتأثر، أو أثر بقي من آثار العدوان لم تزال منذ 1967.
وإذا سألتني، لا أعرف، وربما لا أريد أن أعرف، فالمعرفة صارت هم الليل وذل النهار، وأي إضافة تعني ذلاً وهماً جديداً وقد وصل العمر إلى أرذله، ولم يعد يحتمل رذالات أخري.
ولعل في معني الزمن الجديد ما يريح، فهو يشير بشكل ما إلى الاختزال وعدم اللف والدوران، فكم أرهقتني دوائر الشيخ «إبن عربي» ودوخني معه في «الفتوحات المكية»، وكم ابيضت ليال قرأت فيها للطبري والمقريزي وابن إياس وأبو الفرج الأصفهاني وطه حسين والعقاد وغيرهم.
كيف لم يكتشف عبقري هذه الصيغة السهلة المريحة: «هات من الآخر» ويريحنا ويريح غيرنا، هل كان ضرورياً أن أقرأ كل كتب طيب الذكر هنري كيسنجر كي أكتشف أن بذور العنف في السياسة الخارجية الأمريكية، لم تكن سوي تنويعات على لحن سياسات القوة ولعبة توازن القوي؟
هل كان من اللازم أن أقرأ كل سطر وجدته أمامي يتحدث عن تاريخ وتطور الحركة الصهيونية بما في ذلك كتب الأدب والصحف العبرية كي أتوصل إلي أن إسرائيل دولة عنصرية توسعية؟
ما أضيع الليالي التي أمضيتها في قراءة أسفار طويلة عن الحروب الصليبية، وكتابات المستشرقين، رغم أنها جميعاً في التحليل الأخير لم تكن سوي عداء وكراهية للإسلام
أقول أنه كان من الممكن أن يعيش الإنسان أكثر سعادة لو اختزل كل ذلك واعتنق نظرية «هات من الآخر»؟
إن المعرفة التي لا تكون زاداً للحياة بهدف تغييرها إلى الأفضل، هي معرفة عقيمة، تماماً مثل المقال الذي لا يتناسب مع الحال ولا يؤدي إلى مآل، فحين تسود فلسفة الفهلوة والمحسوبية والواسطة، فالمعرفة لن تكون إلا زاد عذاب.



















