وكانت مصر تتنفس آنذاك هواء جديدا، بعد أن أبرمت أخيرا إتفاقية الجلاء التي أفنت أجيالا من الدبلوماسيين المصريين.
وفي كتابه ( الدبلوماسية ) ، كتب كيسنجر مفسرا الموقف الأولي الذي اتخذته كل من أمريكا وبريطانيا في عرض تمويل بناء السد العالي في مصر ، وقال :” لقد كان قرارا عجيبا ، أن تقوم الحكومتان بإلتزام بمشروع ضخم ، رغم أنهما كانا يفضلان خلع عبد الناصر من حكم مصر ، خاصة بعد إزدياد تعميق علاقاته مع الإتحاد السوفييتي
قال :’ أن الحكومتين عزيا أنفسهما بإعتقاد أنه إذا لم تحقق المنحة الأصلية غرضها في إستمالة عبد الناصر ، فأن المرحلة التالية سوف تجعل مصر معتمدة ماليا بشكل أساسي عليهما ، بنفس ما حدث عند بناء قناة السويس وما تسببت فيه من سيطرة الغرب ماليا علي مصر طيلة القرن التاسع عشر ” .
أن عبد الناصر لم ينخدع بإغراء منحة التمويل السخي ، وكدارس ( ومدرس) للإستراتيجية ، بدأ يناور بمهارة ، فهو يعرف أن إقترابهما ليس نوعا من غزل طارئ ألم بهما ، وإنما محاولة لإبعاده عن مواصلة خطه التحرري سواء في عدم الإنحياز ، أو التسلح ، أو تطوير العلاقات مع السوفييت ، أو دعم حركات التحرر.
وبالتالي بدأ ناصر يلاعبهم بطريقته ، بالتفاوض الشرس لتخفيف الشروط المالية للقرض ، وفي وعيه التاريخي مآساة بلاده التي ترتبت علي قروض مشابهة في عصر إسماعيل ، ورفض محاولات واشنطن لدفعه إلي سلام بشروط إسرائيلية ، وعرض عليهم شروطه وهي إنسحاب إسرائيل من صحراء النقب كي يستعيد التواصل بين شرق وغرب العالم العربي ، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلي مدنهم وقراهم .. إلخ .
وفي نفس الوقت واصل ناصر مهاجمة حلف بغداد ، مما أدي إلي فشل بريطانيا في ضم الأردن إليه ، حين انتفض الشعب الاردني هاتفا بشعارات ناصر ، فتراجع الملك حسين ، بل واضطر تحت الضغط الشعبي أن يطرد القائد الإنجليزي للجيش الأردني جلوب باشا في مارس 1956.
وفي 16 مايو 1956 يقوم ناصر بسحب إعتراف مصر بحكومة شيانج كاي شيك ، وينشئ علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية ، مما أثار حفيظة وزير الخارجية الأمريكي فوستر دالاس ، وفي شهر يونيو وصل إلي القاهرة وزير خارجية السوفييت الجديد ديمتري شبيلوف وقدم عرضا سوفييتيا ليس فقط لتمويل السد ، وإنما أيضا لبنائه .
وعلق كيسنجر علي مناورات ناصر أنه كان يمارس بنجاح هوايته المفضلة في ضرب القوي العظمي في بعضها البعض.
(فصل ما قبل الإنفجار / كتابي -تحت الطبع-” دبلوماسية السويس”.)


















