اتلقى من حين لآخر مطالبات بأن أكتب عن ذكريات حرب أكتوبر التي شاركت فيها، ورغم أنني لم أتوقف عن الكتابة أو الحديث عن هذه الحرب علي مر ما يقترب الآن من نصف قرن، إلا أنني أتفهم الإلحاح في طلب المزيد، لأسباب عديدة ليس هذا محلها .
وقد كان من فضل الله علي انني مارست العمل الفعلي في مؤسستين عريقتين هما مؤسسة العسكرية المصرية ، ومؤسسة الدبلوماسية المصرية، ثم أتيح لي عبر رحلة طويلة مع القلم ان اعبر عن رؤيتي سواء من خلال الأبحاث او المقالات بل وايضا عن طريق الادب ، حيث انني عضو عامل في اتحاد الكتاب المصري ، وصدر لي حتي الان كتابان سياسيان ( صكوك الغفران الامريكية / كلام دبلوماسي ) ، ورواية عن الحرب ( اشجار الصبار ) ومجموعة قصصية ( الولوج في دائرة التيه ) وصفها بعض النقاد بانها من ادب مقاومة التطبيع ، وأخيرا مجموعة قصصية ( حكايات العبيد ) .
هذا المدخل الشخصي ضروري لإيضاح المساحة التي يمكنني الاسهام فيها ، مع ملاحظة ما يلي :
– انه لا يمكن لأي من كان ان يزعم امتلاكه للحقيقة ، وبالتالي فما قد اقوله يعبر فقط عن الزاوية التي رايت منها الاحداث وما أتيح لي من معلومات .
– انه ليس كل ما يعرف يقال ، وليس كل ما يقال قد جاء أوانه ، فقد فرضت طبيعة عملي في المؤسستين ان تتاح لي معلومات حساسة أظن ان بعضها سوف يدفن معي .
– ان الموضوع – تحت البحث – شديد التنوع والتعقيد ، وربما يتطلب اكثر من مقال أو حتي كتاب .
– ان وسائل التواصل الاجتماعي علي ما اتاحته من امكانيات ، فإنها لا توفر الاتصال الشخصي الحميم الذي يضيف للكلمات عمقها الانساني، فضلا عن مشاكل غير منظورة مثل انقطاع التيار الكهربائي او مشاكل النت مثلا .
وبعد هذه المقدمة المطولة، اود ان أؤكد منذ البداية ان ملحمة اكتوبر كانت سلسلة من المعارك العسكرية والدبلوماسية ، فمنذ هزيمة يونيو٦٧ ، بدات تلك المعارك بالتوازي وبلا توقف تقريبا ، في مجلس الأمن والجمعية العامة حتي ظهور القرار ٢٤٢ ، ثم مؤتمر الخرطوم الشهير بلاءاته الثلاث المشهورة ، ثم مهمة المبعوث الدولي يارنج ، حرب الاستنزاف ، مبادرة روجرز ، وفاة عبد الناصر ، مبادرة السادات عام ١٩٧١ ، ثم التمهيد الدبلوماسي الطويل لحرب اكتوبر ، تلاه الدبلوماسية الساخنة التي صاحبت واعقبت الحرب ، محادثات الكيلو ١٠١ ، اتفاقية فصل القوات الاولي مفاوضات جنيف اتفاقية الفصل الثانية ، مبادرة السلام ، اتفاق كامب ديفيد ،معاهدة السلام . وخلال هذه الفترة الممتدة الي ١٢ عام شهدت مصر والمنطقة والعالم الكثير من التحولات التي أثرت وتأثرت بشكل او باخر بتلك الملحمة .
وبعد هذا التلخيص السريع والذي قد لا يكون كافيا ، أبدا بالحديث الذي أطلقت عليه حديث مقاتل دبلوماسي
أولا : حول حرب الإستنزاف:
حرب الاستنزاف كانت التمهيد الضروري لمعركة التحرير ، بل وساهمت أيضاً في الجهد الدبلوماسي كوسيلة ضغط بعدما تبين فشل مهمة يارنج ، وادت الي مبادرة روجرز التي اتاحت بدورها نشر حائط الصواريخ المصري الذي كان ابرز عناصر النجاح في الحرب .. وهكذا كانت الدبلوماسية تتضافر مع العسكرية في اداءمتميز .. وللأسف لم تاخذ حرب الاستنزاف حقها من البحث والدراسة .
المسئول عن إهمال حرب الاستنزاف هو المناخ العام السياسي والاقتصادي والثقافي الذي ساد في مصر بعد الحرب مباشرة .. كان هناك اتجاه للتركيز علي ” صاحب القرار ” ، ثم ان الفرحة الطاغية بالعبور اخفت في أضوائها تلك الحقبة العظيمة ، وفي عهد مبارك اختصر كل ذلك في عظمة ” الضربة الجوية “
وحول معني هذا التاريخ في حياتي ،
في الواقع ان أغلي ما احمله هو ذلك التاريخ .. ولقد عبرت عن بعض مشاعري في مناسبات عديدة .. وربما اريد هنا ان أضيف انني منذ عودتي من الجبهة آليت علي نفسي ان احمل صرخة الشهيد الي كل ابناء الوطن طالما بقيت حيا .. لذلك فقد نشرت مئات المقالات حول هذه الحرب وحول الرجال الذين خاضوها ، وكلما أتي ذلك اليوم فإنني استعيد كل المشاهد وكأنني أعيشها مرة اخري ..
حول دور الإتحاد السوفييتي :
دور الاتحاد السوفييتي في الحرب يمكن النظر اليه من زاوية انه كان المصدر الوحيد للتسليح المصري ، ورغم الانتقادات الكثيرة التي وجهت اليه في هذا الصدد ، فيكفي ان اشير انه زود مصر بأسلحة لم يحصل عليها حلفاؤه في حلف وارسو ، ثم كانت هناك الزاوية الدبلوماسية ، فقد كان الطرف المقابل لأمريكا لتحقيق بعض التوازن الاستراتيجي في المبارزة الدبلوماسية التي صاحبت الحرب ، ووصلت الي حد اعلان امريكا حالة التأهب النووي.
هل شعرنا باليأس :
ربما لن يصدقني أحد اذا قلت لك ان اليأس لم يكن في قاموس الرجال عندذاك .. كانوا قد وصلوا الي أعلي درجات الإحترافية في التدريب ، وكانت حرب الاستنزاف قد اثبتت لهم مدي صلابتهم وإمكانية النصر. . لقد تلقوا امر القتال بالتهليل والعناق .. وبعضهم رفض الأخذ برخصة الإفطار وأصروا علي ملاقاة ربهم صائمين .. هل تصدقون اذا قلت لكم ان بعض الجنود كانوا يأخذون رمل سيناء في أفواههم يقبلونه .. هل يمكن لاحد ان يتخيل الجندي مصطفي الحادي النحيف وهو يواجه دبابة سونتريون ضخمة ويدمرها .. اشياء لا يعرفها العلم العسكري ولكنها في جينات هذا الشعب الطيب الصبور.
حول الثغرة
بالنسبة الثغرة فقد فصل كل من السادات في كتابه البحث عن الذات وكذلك الفريق الشاذلي في كتابه عن حرب اكتوبر رأي كل منهما ، وهناك كتب اخري لهيكل وموسي صبري ، وكذلك بعض المراجع الامريكية والإسرائيلية ..
رأيي الشخصي هو ان القائد السياسي مسئول عن الادارة السياسية للحرب ، اما العمليات العسكرية بمعناها الحرفي فيجب ان تترك للعسكريين .. ومن وجهة النظر العسكرية البحتة دون دخول في التفاصيل فقد كان راي الشاذلي هو الأرجح .. وأضيف انه ربما كانت قوات العدو في الثغرة فرصة لقصم ظهر اسرائيل لسنوات ولكنها ضاعت .. لقد قاتلت في منطقة الثغرة ونفذت إغارات وكمائن .. كنا نعتبر قواتهم صيد ثمين مثل بطة راقدة . خاصة وان العقيدة القتالية لإسرائيل لا تسمح لهم بتحمل الحرب الطويلة او من داخل خنادق .. وتذكر ان ذلك كان مقتلهم في حرب الاستنزاف ايضا .
بشأن معاهدة السلام
بالنسبة للأسئلة المتعلقة بمعاهدة السلام والوضع الامني في سيناء .. اود ان اشير انه ينبغي النظر الي هذه المعاهدة في سياقها التاريخي الموضوعي .. كانت مبادرة السلام التي قام بها السادات عام ١٩٧٧ تفقد بخارها .. وقبلها كانت انتفاضة الحرامية ( كما وصفها السادات ) في يناير .. وسيناء لا تزال محتلة ، والسادات صرح وكرر ان ٩٩٪ من اوراق اللعبة في يد امريكا. . الخ ، وأستطيع ان اقول باطمئنان بعد اطلاعي علي اغلب وثائق المرحلة ان الثمار السياسية للدم لم تكن علي نفس مستوي التضحيات ، وان استقالة ٣ وزراء للخارجية ( والخارجية وحدها تحتفظ بهذا السبق ) يؤكد ان السادات لم يكن ينصت لمعاونيه ..وقد تحدثت حول ذلك مع السيد حافظ اسماعيل شخصيا وعلمت ما يؤكد هذا الاستخلاص.
بالنسبة للموقف الامني في سيناء وتعديل الملحق الامني في المعاهدة ، فان لي رأي منشور في الاهرام مفاده انه من زاوية القانون الدولي لا يوجد ما يمنع مصر من حماية امنها القومي والدفاع عن النفس حتي بالمخالفة للمعاهدة .. آري أيضاً ان نفرض أمرا واقعا ثم تتفاوض بعد ذلك .. لان اسرائيل لن توافق علي تعديل اي حرف في اتفاقية تحقق مصالحها.
حول صبر المصريين
نعم الشعب المصري يتميز بالصبر وقوة الاحتمال ، وربما لهذا يعتبر من ” خير أجناد الارض ” ، وعلي عكس ما يقال فانه لا يرضي بالذل .. كنت اشاهد حالات لمصريين في الخارج ربما يتغاضون عن إهانات شخصية ، ولكنهم يغضبون ويثورون اذا تجرا احد ومس مصر .. الفلاح المصري الطيب مسالم وادع ولكن اذا حرك احد حديدة تحديد ارضه ولو سنتيمتر واحد يمكن له ان يقاتل من اجله حتي الموت .. الحضارة التي رضعناها في حليب الأمهات لآلاف السنين موجودة ، مثل المعادن الكريمة ولكن قد يعلوها التراب من حين لآخر .
هل يمكن ان نفرض واقعا جديدا في سيناء ؟
الموضوع ليس مجرد فرض امر واقع .. ميثاق الامم المتحدة يعطي الحق لكل دولة في الدفاع عن النفس ، وهي أولوية تسبق اي أولوية اخري .. اسرائيل نفسها غزت لبنان حتي العاصمة بيروت ، واغارت علي تونس بنفس الحجة اوالمنطق القانوني وهذا قياس مع الفارق .. بل ان حوادث اجتيازها لحدودنا ، وعدم التزامها بحجم قواتها في المنطقة “د ” يؤكد صحة ما ذهبت اليه .. ولكنه بالطبع موقف يتطلب إرادة سياسية قوية وتحرك دبلوماسي مكثف ضمن اشياء اخري .
حول مواقفي الشخصية في الحرب :
أتحرج دائما من روايات تتعلق بشخصي .. لقد كان رجالي وخاصة الشهداء هم الأبطال .. لقد اديت واجبي ، وربما يحكي أحفادي ذات يوم عما يتصورون انه بطولة لجدهم .. وللعلم رغم حصولي علي وسام الشجاعة من الطبقة الاولي فإنني لم اضعه علي صدري في اي مناسبة ، لأنني لن اشعر بالراحة في تقلد وسام حرم منه أغلي رجالي من الشهداء .
حول تطوير الهجوم :
موضوع تطوير الهجوم معقد جداً ، ولي دراسة غير منشورة فيه ، وما نشر حول الموضوع يمثل فقط قمة جبل الثلج ، ما يمكن ان اقوله الان وعلي ضوء تحفظي في المقدمة هو انه كانت هناك بعض الأخطاء ، وانه لابد كما ذكر الفريق الشاذلي من قيام لجنة تحقيق مستقلة ببحث هذا الموضوع ضمن موضوعات اخري حتي لا تتكرر هذه الأخطاء في المستقبل .
حول عدم تدمير الثغرة :
السؤال عن الغاية السياسية في ” عدم دك الثغرة ” أجاب عليه السادات بان كيسنجر حذره بان ذلك يعني ان امريكا سوف تدخل الحرب لانقاذ اسرائيل . وربما كان ذلك صحيحا .. ولكنك اذا سألتني كمقاتل ، سأقول ان قصم ظهر الجيش الاسرائيلي كان يستحق المغامرة .. فماذا كانت ستفعل امريكا بعد ذلك .. سياسة القوة ، حين تمتلكها هي التي تفرض وقائع جديدة علي الارض .. ومرة اخري اشير الي انني ناقشت ذلك مع المغفور له حافظ اسماعيل ، وقد اتفق مع رأيي .
فيما يتعلق بسوريا :
رأيي المتواضع هو ان السادات لم يخدعهم ، ولكنه كان يركز علي مصلحة مصر .. وربما لا يجوز التلاعب بحليف ، ولكن – كما تعلمون – السياسة هي لعبة قذرة احيانا .. كما أضيف ان حافظ الاسد بدوره لم يكن بريئا .. فقد لعب اوراقه ، ومن الثابت انه طلب وقف اطلاق النار بمجرد اختراق قواته للجولان بغض النظر عن الموقف علي الجبهة المصرية .
هل كان تطوير الهجوم لازما :
نعم كان من الممكن تطوير الهجوم ، مع تحمل خسائر كبيرة .. وحين يتورط الجيش في القتال فهو يكون مستعدا للخسائر ..مثلا .. لقد كبدت مغامرة شارون في الثغرة الجيش الاسرائيلي خسائر فادحة ، بل كاد رئيس الأركان ان يلغيها خاصة بعد معركة المزرعة الصينية التي تعد وحدها ملحمة من ملاحم بطولات الجندي المصري ( بالمناسبة شارك فيها المشير طنطاوي ، ووفقا لكل المعلومات التي توفرت لي فأنه أبلي بلاء حسنا شأن كل الرجال في هذه المعركة الكبيرة ) .. وهذا هو ما استطيع قوله الان .
حول أم الرشراش :
ام الرشراش وفقا للقانون الدولي اصبحت إيلات رسميا بعد توقيع معاهدة السلام وترسيم الحدود ( بما في ذلك معركة طابا الدبلوماسية القانونية) ، ولكنني كمقاتل لا اعترف بذلك مثلما لا اعترف بالطبيعة العنصرية للنظام الاسرائيلي ، وبالمصادفة نشرت في ( اليوم السابع ) مقالا حول بترول سيناء المنهوب ، أطالب فيه بتحميل إسرائيل بالتعويض ..
أؤمن انه لا يضيع حق وراءه مطالب مهما امتد الزمن.. وذلك يتعلق أيضا بجريمة اغتيال أسري الحرب المصريين ، تلك جريمة لا تسقط بالتقادم ، ولابد ان تدفع إسرائيل ثمن هذه الجريمة ذات يوم .
















