يعتبر الحديد من أهم المواد الخام التي يقوم عليها أي اقتصاد، لأنه يدخل بشكل أساسي في قطاع البناء والتشييد والبنية التحتية، إلى جانب استخداماته الواسعة في العديد من الصناعات مثل النقل والصناعات التحويلية والطاقة.
وتشير التقديرات العالمية إلى أن قطاع البناء وحده يستهلك نحو 50% من إجمالي إنتاج الصلب في العالم، بينما يذهب حوالي 16% إلى قطاع النقل ونحو 14% للصناعات التحويلية، وهو ما يعكس الأهمية الكبيرة لهذه الصناعة ودورها الحيوي في دعم النشاط الاقتصادي وتحريك عدد كبير من القطاعات المرتبطة بها.
مراحل تصنيع الحديد من الخام إلى المنتج النهائي
وتمر صناعة الحديد بعدة مراحل إنتاجية قبل الوصول إلى المنتج النهائي المستخدم في الأسواق، وتبدأ المرحلة الأولى باختزال خام الحديد الموجود في الطبيعة في صورة أكسيد الحديد لإنتاج الحديد المختزل، ثم تأتي المرحلة الثانية وهي صهر الحديد المختزل لإنتاج الصلب السائل.
وبعد ذلك تأتي المرحلة الثالثة وهي صب الصلب السائل في صورة منتجات شبه مصنعة مثل “البليت”، والتي تمثل نحو 90% من عملية تصنيع الحديد، بينما تتمثل المرحلة الرابعة والأخيرة في تشكيل المنتج النهائي أو ما يُعرف بعملية الدرفلة لإنتاج أنواع الصلب المختلفة مثل حديد التسليح.
أنواع مصانع الحديد في السوق
وتتنوع مصانع الحديد في مصر بين مصانع متكاملة تبدأ الإنتاج من المرحلة الأولى حتى المرحلة النهائية، ومصانع شبه متكاملة تبدأ الإنتاج من مرحلة الصهر وحتى المنتج النهائي، إلى جانب مصانع الحث التي تقوم بمرحلتي الصهر والصب فقط.
كما يوجد نوع آخر من المصانع يُعرف بمصانع الدرفلة، والتي تقتصر مهمتها على إعادة تشكيل المنتج شبه المصنع “البليت” لإنتاج حديد التسليح، دون أن تشارك في المراحل الأساسية لصناعة الصلب، وتُعد هذه الظاهرة مميزة للسوق المصرية، حيث تعتمد بعض المصانع على استيراد البليت من الخارج ثم إعادة تشكيله محلياً.
القيمة المضافة والأثر الاقتصادي لصناعة الصلب
كما تُعد القيمة المضافة أحد أهم المؤشرات التي تعكس قوة الصناعة وتأثيرها الاقتصادي، فالمصانع المتكاملة تضيف قيمة صناعية كبيرة للاقتصاد المحلي، حيث تستورد خامات بنحو 225 دولارًا للطن وتبيعه بنحو 625 دولارًا، أي تضيف نحو 400 دولار قيمة محلية بنسبة تصل إلى 64%.
وفي المقابل، تضيف مصانع الدرفلة قيمة أقل بكثير لا تتجاوز نحو 10%، كما تحقق المصانع المتكاملة إسهامًا اقتصاديًا أكبر، إذ بلغت مبيعاتها نحو 5.5 مليون طن محققة حصيلة ضريبية تُقدر بحوالي 25 مليار جنيه.
سعي “عز” لمد رسوم الإغراق على البليت يثير جدلًا واسعًا في سوق الحديد
وفي هذا الإطار، برز الجدل مؤخرًا حول سعي شركة عز لمد رسوم الإغراق المفروضة على واردات البليت (المادة الخام المستخدمة في صناعة الحديد) لمدة ثلاث سنوات إضافية، ويرى عدد من التجار والمستثمرين وبعض الخبراء أن هذه الخطوة قد تضع ضغوطًا كبيرة على السوق، معتبرين أنها قد تؤدي إلى زيادة الأعباء على التجار وامتصاص لدماء السوق من خلال التحكم في التجارة والتجار.
محاولة لتحقيق مكاسب على حساب السوق

وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، أن سعي شركة عز لمد رسوم الإغراق المفروضة على واردات البليت لمدة ثلاث سنوات يثير العديد من التساؤلات داخل السوق.
وأشار الشافعي في تصريحاته لموقع الحرية إلى أن هذه الخطوة قد تفسر على أنها محاولة لتحقيق مكاسب اقتصادية على حساب التجار والمواطن المصري وبعض المصانع الأخرى العاملة في نفس القطاع، خاصة تلك التي تعتمد على البليت كمادة خام في عمليات الإنتاج.
تأثير القرار على المنافسة داخل الصناعة
وأضاف الشافعي أن أي قرارات تتعلق بفرض أو مدّ رسوم الإغراق يجب أن تدرس بعناية، لأنها قد تؤثر بشكل مباشر على توازن المنافسة داخل سوق الحديد، فبعض المصانع تعتمد على استيراد البليت لإعادة تصنيعه محليًا، وبالتالي فإن زيادة الأعباء على هذه الواردات قد يضعف قدرتها على المنافسة ويمنح بعض المنتجين الكبار مساحة أكبر للسيطرة على السوق.
المواطن هو المتضرر في النهاية
وأشار إلى أن انعكاسات مثل هذه القرارات لا تتوقف عند حدود المصانع أو التجار فقط، بل تمتد في النهاية إلى المواطن المصري، الذي يتحمل أي زيادات في أسعار الحديد أو مواد البناء، فارتفاع تكلفة الإنتاج غالبًا ما ينعكس على الأسعار النهائية في السوق، وهو ما قد يضيف أعباء جديدة على المستهلكين ويزيد من الضغوط التضخمية في الاقتصاد.
دعوة لآلية واضحة تحقق العدالة في السوق
وأكد الشافعي ضرورة أن يكون هناك تنسيق واضح بين الجهات المعنية، مثل اتحاد الصناعات والغرف التجارية ووزارات التموين والتجارة والصناعة، لوضع آلية واضحة لتنظيم هذه الرسوم وتحديد أهدافها بشكل دقيق.
وشدد على أهمية تحقيق توازن عادل بين دعم الصناعة المحلية والحفاظ على استقرار السوق، بما يضمن عدم تحميل المواطن أعباء إضافية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الحالية، ويضمن عدالة المنافسة بين جميع الأطراف العاملة في القطاع.





















