في زمنٍ يزدحم بالأصوات، وتغيب فيه الملامح الحقيقية، يظلُّ جمال بخيت واحدًا من أنقى الأصوات وأكثرها صدقًا؛ شاعر العامية المصرية، وصوت الوطن العاقل، وصاحب القلم الذي أنصف الناس وعبّر عنهم بجرأةٍ ووعي.
ينتمي بخيت إلى جذورٍ صعيديةٍ عريقةٍ، تحمل في داخلها كبرياءَ الأرض وعنفوانَ الأصل، لكنه نشأ وتفتّحت عيناه في حارات القاهرة، حيث السطح المشترك، والبوّابة المفتوحة، والضحكة العالية رغم ضيق الحال. وهناك، صاغ لغتَه، ونسج أبياتَه من واقع الناس وحكاياتهم. كتب بالعامية فقط، لكنه كتبها بشرفٍ وموهبةٍ وصدقٍ نادر، حتى صارت كلماته تجري على ألسنة الجميع، وتترنّم بها حناجر كبار المطربين.
ولم يكن شاعرًا فقط، بل كان أيضًا من الصحفيين الكبار الذين أَثْرَوا الصحافةَ المصرية والعربية، وتركوا بصمتَهم في صباح الخير والخليج وغيرهما من المنابر الصحفية، بمقالاته الجريئة الرنّانة، التي انتظرها القرّاء كما ينتظرون الحقيقة وسط الضباب. كان عاموده الصحفي طقسًا أسبوعيًّا يضيف إلى القارئ وعيًا جديدًا، ويحرّك فيه الأسئلة لا الأجوبة الجاهزة، ويمزج بين الرأي والموقف، وبين الفكرة والانحياز للناس.
ولأنه ابنٌ للناس، ومُعبّرٌ عنهم، كان جمال بخيت «الثائرَ الهادئ»، الذي لم يرفع صوته عبثًا، ولم يهتف من أجل العنوان، بل كانت ثورتُه في عقله، بين سطور كلماته، وفي فكرٍ يُسائل الواقعَ ولا يقبل القوالبَ الجاهزة. لم تكن ميادين الثورة وحدها مسرحًا لصوته، بل كانت قصيدتُه ومقالتُه وحواراتُه ميادينَ أوسع وأعمق وأكثر بقاء.

أما على المستوى الإنساني، فكان جمال بخيت الإنسانَ والصديقَ كما تُحب أن تراه: بسيطًا، مثقّفًا، صاحبَ رأي، بشوشًا، خفيفَ الظل، تأنس إلى لُطفه، ولا تملّ من دعابته التي تمزج بين الحقيقة تارةً، والسخرية تارةً أخرى. ضحكاته تملأ المكان دفئًا، وتُشبعك فرحةً، وكأن الفرح وجد فيه صوتًا وروحًا.
وأنا شخصيًّا، كثيرًا ما أستقي من جمال بخيت الأملَ حين يشتدُّ اليأس، والنورَ حين يطغى الظلام، ومن ضحكاته أستمدّ الفرحَ والسعادةَ والسرور. فهو لا يمنحك الكلمة فقط، بل يمنحك الروحَ التي تبعث الحياةَ من جديد.
هو من أولئك الذين يُشبهون الوطنَ في طيبته ومكابرته وصبره، ومن أولئك الذين يُكتب عنهم لا لأنهم سعَوا إلى الأضواء، بل لأنهم أضاءوا بكلمتهم وصدقهم طريقًا للآخرين.
اقرأ أيضًا: مظهر شاهين: الإسلام لم يضع سنًا محددًا للزواج.. ولا يحق لأحد تحريم ما أحل الله
ومن أبرز أعماله الفنية التي غنّتها حناجر كبار المطربين الأغنيةُ الوطنية الشهيرة «اتجمعوا»، ألحان عمار الشريعي وغناء أنغام، والتي فازت بجائزة أفضل لحن في مسابقة الأغنية العربية، إلى جانب أعمالٍ أخرى تركت أثرَها في وجدان المصريين والعرب، منها «بنعشق الحياة» و*«على اسم مصر»*، وغيرها من الأغاني التي جمعت بين الحسّ الشعبي والصدق الوطني.
كما صدرت له عدّة دواوين شعرية، كان آخرها ديوان «خيالي»، الذي يجمع بين التجريب الشعري والروح المصرية الأصيلة، لتبقى كلماته شاهدًا على زمنٍ وأمةٍ ووجدان.
ويتبقّى أن أقول إن من أمتع اللحظات التي أعتزّ بها، تلك التي تجمعنا فيها السيدةُ الفاضلة شاليمار شربتلي، في لقاءاتٍ ودودةٍ تحمل طابعًا أدبيًّا وإنسانيًّا راقيًا، برفقة نخبةٍ من الأصدقاء الأعزاء من الشعراء، والكتّاب، والأطباء، والصحفيين، والفنانين، والمهندسين المرموقين، كلٌّ منهم صاحبُ فكرٍ وقيمة، ويستحقّ أن يُكتب عنه الكثير… لأنهم فعلًا يستحقون.
جمال بخيت… شاعرُ مصر الحقيقي، وكاتبُها المخلص، وثائرُها الهادئ، وصديقُها الذي لا يخون.
ما زال يكتب، ويُلهم، ويُغنّي لهذا الوطن، في زمنٍ نحن أحوجُ ما نكون فيه إلى أمثاله من الصادقين.


















