أكد الدكتور مصطفى الفقي، الكاتب والمفكر السياسي، أنه ظل منذ سنوات الطفولة مشدودًا إلى فترة العصر الملكي في تاريخ مصر الحديث، لما شهدته من حراك سياسي وفكري وثقافي ترك أثرًا كبيرًا في الوجدان المصري.
الإعجاب برموز السياسة والفكر في العصر الملكي
وقال الفقي، خلال منشور له عبر صفحته الشخصية على الفيسبوك، إنه كان يتمنى في طفولته أن يرتدي الطربوش وأن يبدو مسؤولًا متعلمًا يهوى الأدب والسياسة ويربط بينهما على خطى أحمد لطفي السيد وطه حسين ومحمد حسين هيكل، مشيرًا إلى إعجابه بالنخبة السياسية والفكرية التي برزت خلال تلك الحقبة.
وأضاف أنه لم يكن يخفي يومًا رغبته في أن يكون واحدًا من السياسيين القدامى الذين يجيدون الخطابة ويتمتعون بشعبية واسعة، لافتًا إلى أنه كان يتمنى أن يكون ذلك تحت مظلة حزب الوفد بما له وما عليه، باعتباره أحد أبرز الأحزاب التي قادت الحركة الوطنية المصرية.
وأوضح الفقي أن تلك الفترة شهدت إرهاصات ليبرالية ومكانة متميزة لمصر، رغم وجود ملايين الفلاحين الأجراء والتفاوت الطبقي الواضح في المجتمع، مؤكدًا أنها كانت أيضًا مرحلة شهدت ظهور جامعة القاهرة والجمعيتين الجغرافية والتاريخية وتماثيل محمود مختار وأغاني سيد درويش.
مواقف دستورية وبرلمانية راسخة
وأشار إلى أن العصر الملكي كان زمنًا شهد مواقف سياسية ودستورية بارزة، مستشهدًا بقول عباس محمود العقاد إن المصريين على استعداد لسحق أكبر رأس في البلاد إذا تجاوز الدستور، وكذلك بمواقف عدد من السياسيين الذين جسدوا معاني الكرامة والاستقلال الوطني.
واستعرض الفقي واقعة اعتراض نائب الدلنجات الشيخ الشافعي أبو وافية داخل البرلمان على تخصيص 19 ألف جنيه لشراء فضيات إضافية للقصر الملكي، في وقت كان يعاني فيه كثير من المواطنين من الفقر والحرمان وضعف فرص التعليم.
وأكد أن المجتمع المصري في تلك المرحلة كان يعاني من الفقر والجهل والمرض، لكنه في الوقت نفسه كان يحمل شعلة التنوير ويقود المنطقة العربية والإسلامية ثقافيًا وفكريًا، وهو ما انعكس على ازدهار الليبرالية والديمقراطية والحياة البرلمانية.
وأضاف أن الحياة السياسية آنذاك كانت تعبر عن إرادة شعبية حقيقية، مشيرًا إلى أن رئيس وزراء مصر سقط في إحدى الانتخابات داخل دائرته الانتخابية، في تعبير واضح عن احترام إرادة الناخبين والمشاركة السياسية الواسعة التي دعمتها شعبية حزب الوفد.
وتابع أن الشعب المصري أثبت في أكثر من محطة تاريخية قدرته على الدفاع عن إرادته الوطنية، سواء خلال ثورة 1919 أو في عام 2013، مؤكدًا أن المصريين ظلوا عبر العصور صناعًا للحضارة وحماة للدولة.
الأزهر والكنيسة نموذج للوحدة الوطنية
ولفت إلى أن تلك الفترة شهدت أيضًا ازدهار الأزهر الشريف وتجاوب الكنيسة القبطية مع روح الوطنية المصرية، في إطار الإيمان بأن الدين لله والوطن للجميع، وهو ما عزز قيم التعايش والانتماء الوطني.
كما تحدث الفقي عن تأثره بكتابات كبار الأدباء والمفكرين والعلماء المصريين، مؤكدًا أن تلك الأعمال أسهمت في تشكيل وعيه وثقافته منذ الصغر.
وتطرق إلى جانب من ذكرياته الشخصية مع والده الراحل، مشيرًا إلى أنه كان يرافقه خلال ليالي شهر رمضان إلى مبنى البلدية بمدينة دمنهور للاستماع إلى قراء القرآن الكريم، ومن بينهم الشيخ بدران السروي الذي ترك أثرًا كبيرًا في نفسه وفي والده.
وأوضح أن مرض والده في إحدى السنوات تسبب في انقطاع هذه العادة الروحية لفترة، وهو ما أثر فيه بشدة آنذاك، قبل أن يستعيد والده عافيته وتعود الحياة إلى طبيعتها.
وأشار الفقي إلى أن المصريين قاوموا الاحتلال البريطاني وخاضوا معركة الإسماعيلية ووقعوا اتفاقية 1936 ثم ألغوها عام 1951، مؤكدًا أن المصري كان دائمًا أبًا للحرية ومدافعًا عن استقلال وطنه.
وأضاف أن ثورة يوليو 1952 جاءت لتغير ملامح الدولة المصرية، حيث تبدلت المعايير وسقطت الطرابيش وتقدم الجيش لقيادة البلاد في ظل ظروف دولية وإقليمية جديدة، لتبدأ مرحلة مختلفة ارتبطت بصعود جمال عبد الناصر ثم الرئيس الراحل أنور السادات.
عصر التنوير.. إنجازات وتحديات
وأكد أن تلك التحولات أسهمت في تشكيل العقل المصري الحديث وإعادة رسم ملامح الدولة في مرحلة جديدة من تاريخها.
واختتم الفقي تصريحاته بالتأكيد على أن تلك الفترة تمثل في نظره خلاصة عصر التنوير الذي تألقت فيه روح مصر، مشيرًا إلى أنها شهدت مواقف وطنية ودينية مهمة، من بينها تمسك الإمام الأكبر برأيه ورفضه إصدار فتوى بحرمان الملكة فريدة من الزواج بعد طلاقها من الملك فاروق، فضلًا عن تعدد الرؤى والاجتهادات الفكرية والسياسية التي عكست حيوية المجتمع المصري.
وشدد على أن الإشادة بهذه المرحلة لا تعني تجاهل ما شهدته من أزمات وتحديات، مثل وباء الكوليرا وتداعيات القضية الفلسطينية ومواجهة المشروع الصهيوني، مؤكدًا أن المصريين دفعوا على الدوام ثمن الدفاع عن قضاياهم الوطنية والقومية.
اقرأ أيضاً: مصطفى الفقي يفتح ملف “المستشار السياسي” بعد تعيين رمزي عز الدين.. هل يتغير شكل صناعة القرار في مصر؟




















