في ظل المشهد الإقليمي المضطرب الذي تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المصالح تبرز مصر بوصفها صوتا عاقلا يسعى إلى التهدئة ومنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إذ تدرك القاهرة بحكم خبرتها السياسية ومكانتها التاريخية أن اتساع رقعة الصراع لن يكون في مصلحة أي طرف بل سيؤدي إلى فوضى ممتدة تدفع ثمنها شعوب المنطقة بأكملها ولذلك تتحرك مصر عبر قنواتها الدبلوماسية والأمنية من أجل احتواء التصعيد والدفع نحو حلول سياسية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار وتفتح الباب أمام تسويات عقلانية تضع حدا لحالة الاحتقان.
ويأتي هذا التحرك المصري في وقت تتزايد فيه مشاعر القلق لدى الشعوب العربية التي ترى في تصاعد التوتر تهديدا مباشرا لأمنها واستقرارها إذ تتشكل حالة من التضامن الشعبي مع دول الخليج العربي التي تعتبر في نظر كثيرين خط الدفاع الأول عن الأمن العربي في مواجهة ما يُنظر إليه كتهديدات متكررة ومع ذلك فإن قراءة المشهد لا يمكن أن تكون سطحية أو أحادية لأن الواقع أكثر تعقيدا من مجرد تقسيم الأطراف إلى معتد ومعتدى عليه بصورة مطلقة.
وفي هذا السياق يصبح من الضروري التأكيد بشكل مباشر وواضح على أن إيران لم تبدأ هذه الحرب بل كانت في موقع المتلقي لسلسلة من الضغوط والاعتداءات التي اتسمت في كثير من الأحيان بطابع من الكبر والاستعلاء السياسي والعسكري فطهران تعرضت عبر سنوات طويلة لعقوبات اقتصادية خانقة وضغوط دبلوماسية مستمرة وتهديدات عسكرية معلنة وغير معلنة وهو ما جعلها تتبنى سياسات ردعية تقوم على الرد بالمثل ومحاولة فرض توازن مع القوى التي تستهدفها ومن ثم فإن ما يصدر عنها من تحركات لا يمكن فهمه بمعزل عن كونه رد فعل على سياق ممتد من الاستفزازات والضغوط وليس مبادرة أولى لإشعال الحرب.
ومن هنا فإن تصوير إيران باعتبارها الطرف الذي بدأ التصعيد يتجاهل جانبا مهما من الحقيقة ويغفل السياق الذي سبق اندلاع المواجهات فالأحداث لا تنشأ في فراغ بل تأتي نتيجة تراكمات سياسية وأمنية معقدة وعندما تشعر دولة ما بأنها محاصرة أو مستهدفة بشكل مستمر فإن ردود أفعالها تكون في الغالب انعكاسا لهذا الشعور بالتهديد وهو ما ينطبق على الحالة الإيرانية التي ترى نفسها في مواجهة مشروع يستهدف تقويض نفوذها ومحاصرة دورها الإقليمي.
وفي مقابل ذلك تتجه أنظار كثير من المحللين والرأي العام العربي إلى إسرائيل باعتبارها الطرف الأكثر إسهاما في إشعال فتيل الأزمة حيث يُنظر إلى سياساتها على أنها تقوم على فرض واقع جديد في المنطقة مدعوم بتفاهمات أو اتفاقات مع الولايات المتحدة وهو ما منحها قدرا كبيرا من الغطاء السياسي والعسكري للتحرك دون خشية من المساءلة الدولية وقد أدى هذا التلاقي في المصالح إلى تصعيد متسارع ساهم في دفع المنطقة إلى حافة الانفجار.
ولا يمكن فصل هذا الدور الإسرائيلي عن سياق أوسع من السياسات التي اتسمت بالتوسع وفرض القوة وهو ما ترك آثارا عميقة في الوجدان العربي خاصة في ضوء ما شهدته غزة من أحداث دامية لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية حيث رأى كثيرون أن ما جرى يعكس نهجا قائما على استخدام القوة المفرطة دون اعتبار كاف للتبعات الإنسانية وهو ما عزز القناعة بأن إسرائيل تلعب دورا محوريا في تأجيج الصراعات بدلا من السعي إلى احتوائها.
وفي خضم هذا المشهد المعقد تتجلى حالة من التناقض يصل الي التبجح في الخطاب السياسي والإعلامي حيث تصدر عن بعض المسؤولين الإسرائيليين تصريحات تحمل نبرة عتاب تجاه من أبدوا شماتة في وصول الهجمات إلى الداخل الإسرائيلي وهو ما يثير تساؤلات منطقية حول طبيعة هذا العتاب فكيف يمكن لطرف يمارس سياسات عسكرية قاسية ويشارك في عمليات تؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين أن يطالب الآخرين بالتعاطف أو بضبط ردود أفعالهم إن هذه المفارقة تكشف عن ازدواجية واضحة في المعايير حيث يتم التركيز على معاناة طرف واحد مع تجاهل معاناة أطراف أخرى عانت لسنوات طويلة من ويلات الصراع.
أما على مستوى الخطاب الدولي فإن ما يصدر عن بعض قيادات القوى الكبرى لم يعد يحظى بذات القدر من المصداقية لدى قطاعات واسعة من شعوب العالم إذ بات تكرار روايات يُنظر إليها على أنها غير دقيقة أو منحازة سببا في تآكل الثقة في هذه القيادات وتحولها إلى مادة للسخرية في كثير من الأحيان فالعالم اليوم يعيش في عصر تتدفق فيه المعلومات بشكل غير مسبوق ولم يعد من السهل تمرير خطاب أحادي دون أن يواجه بقدر كبير من النقد والتمحيص.
وفي ظل هذه المعطيات تظل مصر متمسكة بنهجها القائم على التهدئة والسعي إلى تقريب وجهات النظر حيث تدرك أن استمرار التصعيد لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد وأن الحلول العسكرية مهما بدت حاسمة في ظاهرها فإنها لا تفضي إلى استقرار دائم بل تفتح الباب أمام دورات جديدة من العنف ومن هنا فإن الجهود المصرية تركز على الدفع نحو مسارات سياسية تقوم على الحوار والتفاهم باعتبارهما السبيل الوحيد للخروج من دائرة الصراع.
كما أن هذا الدور المصري يعكس إدراكا عميقا بأن استقرار المنطقة لا يمكن تحقيقه في ظل تجاهل مخاوف أي طرف أو محاولة فرض إرادة طرف على آخر بالقوة فالتوازن الحقيقي لا يقوم إلا على الاعتراف المتبادل بالمصالح والحقوق وهو ما يتطلب إرادة سياسية صادقة من جميع الأطراف للابتعاد عن منطق التصعيد والتوجه نحو بناء منظومة إقليمية أكثر استقرارا وعدلا.
وفي النهاية فإن قراءة المشهد الإقليمي تفرض علينا الابتعاد عن التبسيط المخل والنظر إلى الأحداث في سياقها الكامل حيث تتداخل العوامل السياسية والتاريخية لتشكل واقعا معقدا لا يمكن اختزاله في رواية واحدة ومع ذلك يبقى من الواضح أن إيران لم تكن البادئة بالحرب بل جاءت تحركاتها في إطار رد فعل على ما تعرضت له من ضغوط واعتداءات بينما لعبت السياسات الإسرائيلية المدعومة بتفاهمات مع الولايات المتحدة دورا رئيسيا في دفع المنطقة نحو هذا التصعيد الخطير.
ومن ثم فإن المسؤولية الجماعية تقتضي العمل على وقف هذا المسار قبل أن يصل إلى نقطة اللاعودة وهو ما يستدعي دعما حقيقيا لكل الجهود الرامية إلى التهدئة وفي مقدمتها الدور المصري الذي يسعى إلى تجنيب المنطقة مزيدا من الأزمات وفتح آفاق جديدة نحو مستقبل أكثر استقرارا يضع حدا لدورات الصراع ويمنح الشعوب فرصة للعيش في أمن وسلام.




















