يعتقد البعض أن مرور السنوات كفيل بمحو ذاكرة الشعوب لكن الحقيقة أن الأوطان قد تتجاوز الجراح ولا تنسى من حاول العبث باستقرارها أو تهديد أمنها وفي مصر ما زالت أحداث السنوات التي أعقبت عام 2011 وحتى ثورة 30 يونيو حاضرة في وجدان قطاع واسع من المواطنين الذين عاشوا تلك المرحلة بكل ما حملته من اضطرابات سياسية وأمنية واقتصادية
واليوم وبينما تواجه الدولة المصرية تحديات اقتصادية استثنائية وضغوطا معيشية تفرضها ظروف إقليمية ودولية معقدة يرى كثيرون أن بعض الوجوه المرتبطة بجماعة الإخوان تحاول العودة إلى المشهد العام بصورة مختلفة مستغلة حالة التذمر التي قد تنتج عن الأوضاع الاقتصادية لم تعد هذه المحاولات تأتي بالشعارات القديمة نفسها أو بالخطاب التقليدي المعروف بل عبر وجوه جديدة وأسماء مختلفة تحاول الاندماج داخل الصفوف الوطنية وإعادة تقديم نفسها باعتبارها جزءا من المشهد العام
ويطرح هذا الواقع تساؤلا مهما: أين ذهب أعضاء الجماعة بعد تراجع نفوذها التنظيمي والسياسي؟ فبين من غادر البلاد ومن ابتعد عن العمل العام ومن اختار الظهور بأشكال جديدة ويبقى السؤال مطروحا حول مدى قدرة التنظيمات الأيديولوجية على إعادة التموضع وتغيير أدواتها بما يتناسب مع المتغيرات السياسية والاجتماعية
لقد شهد المصريون مرحلة فارقة من تاريخهم الحديث وشاهدوا كيف تحولت الخلافات السياسية إلى حالة من الاستقطاب الحاد وكيف تم توظيف البسطاء في صراعات سياسية مقابل وعود أو مصالح مختلفة كما لا تزال في الذاكرة مشاهد الاعتصامات والأحداث الدامية التي أعقبتها وما صاحبها من اتهامات متبادلة وصدامات تركت اثارا عميقة في المجتمع المصري
ويرى قطاع من المواطنين أن بعض العناصر المرتبطة بهذا الفكر لم تتخلي عن مشروعها السياسي بل تنتظر الفرصة المناسبة للعودة من جديد مستفيدة من أي أزمات أو تحديات تواجه الدولة كما تثار تساؤلات حول مصادر التمويل التي ظهرت مجددا لدى بعض المنصات والأشخاص الذين عادوا إلى النشاط الإعلامي والسياسي بعد سنوات من الغياب الأمر الذي يثير الشكوك لدى كثيرين بشأن طبيعة هذه التحركات وأهدافها
لكن الدرس الأهم الذي أثبتته السنوات الماضية هو أن حماية الدولة لا تعتمد فقط على الإجراءات الأمنية أو القانونية بل على وعي المواطنين وقدرتهم على التمييز بين النقد الوطني المسؤول وبين محاولات استغلال الأزمات لتحقيق أهداف سياسية تتعارض مع استقرار الوطن
لقد تغيرت مصر كثيرًا خلال السنوات الأخيرة وأصبحت مؤسساتها أكثر تماسكا كما أصبح المواطن أكثر إدراكا لطبيعة التحديات التي تواجه بلاده ولهذا فإن الرهان على إعادة إنتاج أي مشروع سبق أن رفضه الشعب يظل رهانا محفوفا بالمخاطر لأن الوعي الوطني يبقى خط الدفاع الأول عن الدولة
وفي النهاية فإن الحفاظ على استقرار مصر مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع وبين المؤسسات والمواطنين أما محاولات العودة بأثواب جديدة أو بشعارات مختلفة فلن يحدد مصيرها سوى وعي المصريين وقدرتهم على قراءة المشهد كما هو لا كما يريد البعض أن يقدمه
















