من سفينة غيّرت مسارها في البحر الأحمر.. إلى طلب سعودي لترامب.. ثم ضربة لخط النفط.. ومحاولة حوثية لطرق باب القاهرة.. كيف وصلت الحرب إلى هذه النقطة؟
لم تبدأ الحكاية عند مكة.
ولم تبدأ حتى داخل الأراضي السعودية.
بدأت من البحر.
سفن تجارية وجدت نفسها أمام مشهد مختلف في البحر الأحمر، في وقت كان فيه الحوثيون يوسّعون نطاق سيطرتهم على الساحل الغربي لليمن، ويقتربون من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم: باب المندب.
وفي 11 سبتمبر، وصلت قوات الحوثيين إلى منطقة ذُباب اليمنية المطلة مباشرة على باب المندب، بالتزامن مع سيطرتها على مواقع وجزر استراتيجية في المنطقة، من بينها جزيرة ميون «بريم». وبذلك أصبح الممر الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن أمام واقع أمني جديد.
وهنا لم تعد القصة مجرد معركة داخل اليمن.
باب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، والبحر الأحمر هو الطريق الذي تصل عبره السفن إلى قناة السويس.
أي أن ما يحدث على الساحل اليمني يمكن أن يتحول، خلال ساعات، إلى مشكلة للسفن والتجارة والطاقة، ثم إلى مشكلة لمصر والسعودية والعالم.
السعودية تكتشف أن البحر لم يعد بعيدًا
بالنسبة إلى الرياض، كانت التطورات أخطر، فالسعودية كانت تواجه بالفعل ضغوطًا على طرق تصدير النفط، خصوصًا مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ولهذا كان لديها طريق بديل مهم: خط أنابيب الشرق–الغرب، الممتد لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، والقادر في الظروف الطبيعية على نقل نحو 4 إلى 5 ملايين برميل من النفط يوميًا إلى ساحل البحر الأحمر.
لكن حتى هذا الطريق لم يبقَ خارج دائرة الخطر.
ففي 12 سبتمبر، أعلنت السعودية وقف الخط مؤقتًا بعد هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، ما أدى إلى أضرار وإصابات وتعطيل مسار كان يمثل بالنسبة للمملكة طريقًا بديلًا مهمًا لتصدير النفط بعيدًا عن هرمز.
وهنا تبدلت المعادلة.
السفينة لم تعد وحدها في دائرة الخطر.
الميناء والطريق البحري وخط النفط.. كلها أصبحت أهدافًا محتملة في الأزمة نفسها.
*ثم رفعت الرياض الهاتف إلى واشنطن*
في هذه اللحظة، لم تعد السعودية تتعامل فقط مع هجمات متفرقة.
كان الحوثيون قد تقدموا باتجاه باب المندب، بينما تعرضت البنية التحتية النفطية السعودية للهجوم.
وبحسب مصادر نقلت عنها رويترز، أجرى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اتصالين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اليوم نفسه، طالبًا بمساعدة عسكرية أمريكية في مواجهة الحوثيين.
لكن واشنطن لم توافق على تنفيذ ضربات عسكرية أمريكية مباشرة ضد الحوثيين.
وبدلًا من ذلك، عرضت الولايات المتحدة التعاون في مجال المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف.
وهذه نقطة مهمة في فهم ما حدث.
لم يكن الأمر رفضًا أمريكيًا مرتين في مناسبتين مختلفتين.
بل كان اتصالين من ولي العهد السعودي بترامب في اليوم نفسه، بحث خلالهما الموقف نفسه، وانتهى الأمر بعدم موافقة واشنطن على التدخل العسكري المباشر.
وهنا بدأت الرياض تبحث عن خيارات أخرى.
ومن السعودية.. إلى القاهرة
في الوقت نفسه، كانت مصر تراقب ما يحدث في البحر الأحمر من زاوية مختلفة تمامًا.
القاهرة لا تنظر إلى باب المندب باعتباره نقطة بعيدة على الخريطة.
لأن السفينة التي تمر من باب المندب إلى البحر الأحمر، إذا واصلت شمالًا، يصبح طريقها مرتبطًا بقناة السويس.
ولهذا فإن استمرار الاضطراب في باب المندب لا يعني فقط تهديدًا للسفن.
يعني أيضًا ضغطًا محتملًا على أحد أهم الممرات التجارية بالنسبة لمصر.
وفي 14 سبتمبر، كشفت صحيفة العربي الجديد، نقلًا عن مصادر مصرية، أن الحوثيين حاولوا فتح قناة اتصال مباشرة مع السلطات البحرية المصرية بشأن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وبحسب التقرير، جاء التواصل عبر غرفة الملاحة الدولية في لندن، وكان الهدف بحث ترتيبات تتعلق بالملاحة والتنسيق مع هيئة قناة السويس والموانئ المصرية.
لكن القاهرة رفضت الاتصال الرسمي المباشر.
السبب، وفق المصادر التي تحدثت إليها الصحيفة، أن الدخول في اتصال رسمي مع الحوثيين قد يمنحهم اعترافًا ضمنيًا بدور أو سلطة في تنظيم الملاحة الدولية، وهو ما لا تريد القاهرة منحه لجماعة لا تعترف بها كسلطة رسمية على اليمن.
لكن الرفض لم يعنِ أن مصر ستترك البحر الأحمر لمصيره.
بحسب التقرير نفسه، أبقت القاهرة على قنوات غير مباشرة تسمح لها بمتابعة الملف وحماية مصالحها المتعلقة بأمن الملاحة وقناة السويس.
وهنا أصبحت مصر داخل القصة بشكل مباشر.
ليس لأنها طرف في الحرب.
ولكن لأن الطريق الذي يريد الحوثيون التأثير عليه في الجنوب، ينتهي عند قناة السويس في الشمال.
لقاء القاهرة.. عندما أصبح البحر على طاولة الرئيسين
بعد أيام قليلة، جاء لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان في القاهرة.
وفي قلب المباحثات كان البحر الأحمر.
البيان الصادر عقب اللقاء أكد أهمية الحفاظ على أمن وسلامة الملاحة البحرية وحرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.
وهكذا أصبحت الصورة أكثر اكتمالًا.
السعودية تواجه خطرًا على منشآتها وطرق تصدير النفط.
اليمن يشهد تقدمًا حوثيًا على ساحله الغربي.
باب المندب يدخل دائرة الخطر.
ومصر، التي تقف في الطرف الشمالي من هذا الطريق، تراقب تأثير ذلك على الملاحة وقناة السويس.
لكن القصة لم تتوقف هنا.
عندما اقترب الخطر من مكة
في 16 سبتمبر، انتقلت الأزمة إلى مستوى أكثر حساسية.
أعلنت السعودية أن دفاعاتها الجوية اعترضت ودمّرت طائرة مسيّرة جنوب مكة، قبل أن تدخل المجال الجوي المحظور فوق المدينة المقدسة.
التحالف الذي تقوده السعودية قال إن المسيّرة أُطلقت من جانب الحوثيين، ووصف سلامة مكة بأنها «خط أحمر».
في المقابل، نفى الحوثيون استهداف مكة أو المواقع الدينية.
وهنا يجب التوقف عند صياغة الخبر.
المؤكد هو أن السعودية أعلنت اعتراض مسيّرة جنوب مكة ونسبت إطلاقها إلى الحوثيين.
أما نسبة استهداف مكة نفسها إلى الحوثيين، فهي جزء من الرواية السعودية التي رفضها الحوثيون.
لكن بصرف النظر عن الخلاف حول الهدف المقصود، فإن مجرد وصول مسيّرة إلى هذه المسافة من المدينة المقدسة يكشف حجم التحول الذي شهدته الأزمة خلال أيام قليلة.
قبل أيام، كان الحديث عن سفن في البحر الأحمر.
ثم أصبح الحديث عن باب المندب.
ثم عن صادرات النفط السعودية.
ثم عن طلب الرياض دعمًا عسكريًا من واشنطن.
ثم عن قنوات اتصال تتعلق بالملاحة مع القاهرة.
والآن أصبحت مكة نفسها ضمن نطاق التهديد الذي تعلنه الرياض.
الخيط الذي يجمع كل هذه الأحداث
إذا نظرنا إلى الأحداث منفصلة، سنجد أخبارًا كثيرة:
هجوم على سفن.
تقدم حوثي.
سيطرة على مواقع في باب المندب.
هجمات على السعودية.
تعطيل خط أنابيب النفط.
اتصالات مع واشنطن.
تحرك مصري لحماية الملاحة.
ثم مسيّرة جنوب مكة.
لكن عندما نضعها في خط واحد، تظهر قصة مختلفة تمامًا.
البحر الأحمر لم يعد مجرد مسرح للحرب.
أصبح نقطة التقاء بين ثلاثة ملفات في وقت واحد:
أمن الملاحة.
أمن الطاقة.
وأمن الدول المطلة على البحر.
وبالنسبة إلى مصر تحديدًا، هناك ملف رابع لا يمكن تجاهله:
قناة السويس.
فأي تدهور طويل الأمد في أمن باب المندب قد يدفع شركات الملاحة إلى تغيير طرقها، وهو ما يرفع زمن الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين، ويضع مزيدًا من الضغط على حركة التجارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وقد حذرت مصادر وخبراء نقل تحدثوا إلى «العربي الجديد» من أن استمرار المخاطر قد يدفع شركات إلى تجنب المنطقة والعودة إلى طريق رأس الرجاء الصالح الأطول.
وهكذا تصبح القاهرة طرفًا في معادلة الأمن البحري، حتى وهي لا تدخل الحرب طرفًا فيها.
والسؤال الآن: إلى أين تتجه الأزمة؟
السؤال لم يعد فقط: ماذا يريد الحوثيون من السعودية؟
ولا: هل تستطيع الرياض حماية منشآتها؟
السؤال الأكبر أصبح:
هل يمكن أن تتحول السيطرة الحوثية المتزايدة على الساحل اليمني إلى واقع دائم يهدد باب المندب؟
وإذا حدث ذلك، فماذا يعني بالنسبة إلى السعودية التي تعتمد على البحر الأحمر كطريق لتصدير جزء من نفطها؟
وماذا يعني بالنسبة إلى مصر التي ترتبط حركة التجارة العالمية لديها بقناة السويس؟
وماذا يعني بالنسبة إلى العالم إذا أصبح طريقا هرمز وباب المندب في الوقت نفسه تحت ضغط عسكري؟
حتى الآن، لا توجد إجابة نهائية.
لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا:
الأزمة التي بدأت بعيدًا عن مكة، وبعيدًا عن القاهرة، تحركت خلال أيام على خريطة واحدة.
من السفينة.. إلى باب المندب.
ومن باب المندب.. إلى النفط السعودي.
ومن النفط.. إلى واشنطن.
ومن هناك.. إلى القاهرة.
ثم اقتربت أكثر.
حتى وصلت إلى مشارف مكة.





















