لا تحتاج مصر في المرحلة المقبلة إلى إثبات قدرتها على إنتاج الدواجن بقدر ما تحتاج إلى إثبات قدرتها على إنتاجها بجودة مستقرة، وتكلفة تنافسية، ووضع صحي معتمد، وقيمة مضافة، وقدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية بصورة منتظمة، وهنا يكمن الفارق بين صناعة كبيرة وصناعة تصديرية، فامتلاك سوق محلية تتجاوز 107 ملايين نسمة، وتحقيق نسبة اكتفاء ذاتي تقارب 98.3% من لحوم الدواجن والطيور وفق أحدث البيانات المشار إليها، وارتفاع إنتاج دجاج التسمين إلى نحو 1.6 مليار طائر في 2025، كلها مؤشرات على وجود قاعدة إنتاجية مهمة، لكن وجود الإنتاج وحده لا يعني القدرة على التصدير، فالمستورد الخارجي لا يبحث فقط عن منتج متوافر، وإنما عن مورد يستطيع الالتزام بالكميات والمواصفات والمواعيد، ويقدم منتجًا آمنًا وقابلًا للتتبع وبسعر منافس.
ومن هنا يجب أن تبدأ مصر في التفكير في استراتيجية وطنية لصادرات الدواجن.
أولًا: الأمن الحيوي قبل التصدير
الخطوة الأولى في بناء صناعة تصديرية ليست فتح الأسواق، وإنما بناء وضع صحي يسمح بالتصدير، وتظل الأمراض الوبائية وعلى رأسها إنفلونزا الطيور، أحد أهم المحددات أمام التجارة الدولية في منتجات الدواجن، لذلك ينبغي التوسع في تطبيق نظم العزل والتقسيم الوبائي، وإنشاء مناطق أو منشآت تستوفي الاشتراطات الصحية، إلى جانب تحديث العنابر ورفع مستويات الأمن الحيوي، والهدف ليس فقط السيطرة على الأمراض، وإنما إنشاء منظومة تستطيع مصر من خلالها تقديم دليل موثق على سلامة المنتج، وهنا يصبح الأمن الحيوي جزءًا من السياسة التجارية، وليس مجرد إجراء داخل المزرعة.
ثانيًا: زيادة قاعدة المنشآت المؤهلة للتصدير
لا يمكن بناء قطاع تصديري مستدام وقادر على المنافسة في الأسواق الخارجية إذا ظلت القدرة التصديرية محصورة في عدد محدود من المنشآت؛ ومن ثم، تحتاج مصر إلى إطلاق برنامج وطني متكامل لتأهيل المزارع والمجازر ومصانع المصنعات ورفع قدرتها على استيفاء المتطلبات والمعايير الدولية للتصدير. ويجب أن يرتكز هذا البرنامج على تطوير العنابر وتعزيز مستويات الأمن الحيوي، وتطبيق أنظمة فعالة للتتبع تضمن مراقبة المنتج منذ المزرعة وحتى وصوله إلى المستهلك، إلى جانب تطوير المجازر ومرافق التجهيز، وتطبيق نظم صارمة لسلامة الغذاء وضمان الجودة. كما ينبغي أن يتضمن البرنامج تحسين أساليب التخلص الآمن من المخلفات، وإجراء الفحوص المعملية بصورة دورية ومنتظمة، فضلًا عن توثيق مختلف مراحل الإنتاج والتجهيز بما يعزز الشفافية وقابلية التحقق والامتثال للمعايير المطلوبة في الأسواق المستهدفة. ومن شأن هذه المنظومة المتكاملة أن توسع قاعدة المنشآت القادرة على التصدير، وتجعل النفاذ إلى الأسواق الخارجية نتيجة طبيعية لتطوير الصناعة المحلية ورفع كفاءتها، وليس نشاطًا منفصلًا عنها.
ثالثًا: خفض التكلفة قبل البحث عن الأسواق
لا يمكن للمنتج المصري أن ينافس في الخارج لمجرد أنه مصري، فالقاعدة الأساسية هي أن يكون المنتج منافسًا عند وصوله إلى السوق المستورد، وتظل الأعلاف القضية الأكثر أهمية في هذا المجال، ومن هنا يجب أن تتبنى الدولة والقطاع الخاص سياسة طويلة الأجل لزيادة الإنتاج المحلي من الذرة الصفراء، وتحسين التخزين، وتقليل الفاقد، وتطوير البدائل، ورفع كفاءة مصانع الأعلاف، لكن هناك مجالًا أوسع من ذلك يتمثل في تشجيع الشركات الكبرى على تبني استراتيجية Back & Forward Integration، فمن ناحية، يمكن للشركات الاستثمار في زراعة الذرة الصفراء أو الدخول في زراعة تعاقدية لتأمين جزء من احتياجاتها من الخامات العلفية، ومن ناحية أخرى، يمكنها التوسع إلى الأمام في المجازر والتصنيع والتعبئة والتوزيع والتصدير، وهكذا تتحول الشركة من مجرد منتج للدواجن إلى شركة تدير جزءًا أكبر من سلسلة القيمة.
رابعًا: من تصدير الدجاجة إلى تصدير المنتج
هذه النقطة ربما تكون من أهم عناصر الاستراتيجية التصديرية، فالدجاج الكامل ليس بالضرورة المنتج الأعلى قيمة أو الأكثر ملاءمة لكل الأسواق، ويمكن لمصر أن تتوسع في تصدير: صدور الدجاج، الأوراك والأجنحة، المنتجات المتبلة، البرجر، الناغتس، المنتجات الجاهزة للطهي، المنتجات نصف المطهية والمجمدة، المنتجات الموجهة للمطاعم والفنادق وشركات الصناعات الغذائية، وهذا يعني الانتقال من تصدير سلعة إلى تصدير منتج غذائي ذي قيمة مضافة، كما أن التصنيع يساعد على تنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على السعر العالمي للدجاج الكامل.
خامسًا: سلسلة التبريد جزء من القدرة التنافسية
لا يمكن فصل التصدير عن اللوجستيات، فالمنتج المبرد أو المجمد يحتاج إلى الحفاظ على الجودة ودرجة الحرارة طوال الرحلة، من المجزر إلى المخزن ثم إلى وسيلة النقل والميناء والحاوية وحتى المستورد، وبالتالي يجب بناء سلسلة متكاملة:
المجزر التجميد التخزين المبرد النقل المبر الميناء الحاويات المبردة المستورد، وأي ضعف في هذه السلسلة قد يرفع التكلفة أو يؤثر في الجودة، وبالتالي يقلل القدرة التنافسية، ومن هنا فإن الاستثمار في سلاسل التبريد يجب أن ينظر إليه باعتباره استثمارًا تصديريًا، وليس مجرد استثمار لوجستي.
سادسًا: اختيار الأسواق قبل اختيار المنتجات
لا ينبغي أن تتعامل مصر مع الأسواق الخارجية باعتبارها سوقًا واحدة، بل يجب بناء منظومة لاختيار الأسواق وفق مجموعة من المعايير، منها:حجم واردات الدواجن، مستوى الأسعار، القرب الجغرافي، تكلفة النقل والشحن، الاشتراطات الصحية، حجم المنافسة، القدرة على تحقيق هامش ربح مناسب، وجود اتفاقيات تجارية أو فرص نفاذ ميسرة، ومن الطبيعي أن تكون الأسواق العربية والأفريقية ذات أهمية خاصة في المرحلة الأولى، فالأسواق العربية تتمتع بمزايا القرب الجغرافي والتقارب في الأذواق الغذائية، بينما توفر بعض الأسواق الأفريقية فرصًا طويلة الأجل نتيجة النمو السكاني والتحضر وتزايد الطلب على مصادر البروتين، لكن الأهم هو ألا يكون الهدف مجرد فتح الأسواق، وإنما اختيار عدد محدود من الأسواق ذات الأولوية وبناء حضور مستدام فيها.
سابعًا: بناء نظام معلومات تصديري
تحتاج مصر إلى قاعدة بيانات تصديرية متخصصة في الدواجن، ويجب أن تجيب هذه القاعدة عن أسئلة واضحة: من هي المنشآت المؤهلة للتصدير؟ ما الطاقة الإنتاجية المتاحة؟ ما المنتجات التي يمكن تصديرها؟ ما الأسواق المناسبة لكل منتج؟ ما أسعار المنافسين؟ ما الاشتراطات الصحية في كل دولة؟ ما حجم الطلب المتوقع؟ ما القدرة التصديرية المستدامة؟ ومن خلال هذه المعلومات يمكن الانتقال من التصدير العشوائي أو الموسمي إلى إدارة استراتيجية للصادرات.
ثامنًا: التصدير يحتاج إلى فائض مستدام
من الأخطاء الشائعة اعتبار أي فائض مؤقت في السوق المحلية فرصة تصديرية، لكن المستورد الخارجي يحتاج إلى مورد يمكن الاعتماد عليه، فإذا تعاقدت شركة أجنبية مع مورد مصري على توريد كمية محددة، ثم توقفت الصادرات بسبب ارتفاع الأسعار المحلية أو انخفاض الإنتاج، فمن الطبيعي أن تبحث الشركة عن مورد بديل، ولهذا فإن التصدير المستدام يحتاج إلى فائض تصديري مستقر، وليس فائضًا موسميًا، وهذا يتطلب تحسين التنبؤ بالإنتاج، وتنظيم السوق، وزيادة التكامل بين المنتجين والمجازر والمصانع والمصدرين.
تاسعًا: التتبع والشهادات والاعتماد
لا يمكن دخول الأسواق الدولية دون منظومة قوية للجودة والتتبع، ويجب أن يكون بالإمكان معرفة مصدر المنتج ومراحل إنتاجه وتجهيزه وتداوله، كما يجب أن تستوفي المنشآت الشروط الصحية والبيطرية المطلوبة في كل سوق، والحصول على الشهادات والاعتمادات اللازمة، بما في ذلك متطلبات الحلال حيثما كانت مطلوبة، وهذا يجعل تطوير منظومة الرقابة المعملية والبيطرية عنصرًا أساسيًا في السياسة التصديرية.
عاشرًا: بناء علامة تجارية مصرية
الصادرات الناجحة لا تعتمد على السعر فقط، فمع مرور الوقت يجب أن يكون للمنتج المصري سمعة قائمة على الجودة والسلامة والاستقرار والالتزام، ولهذا تحتاج مصر إلى استراتيجية تسويق خارجية تستهدف المستوردين وسلاسل التجزئة والمطاعم والفنادق وشركات الأغذية، مع المشاركة في المعارض المتخصصة وبناء قواعد بيانات للمشترين، والهدف النهائي هو أن تصبح عبارة “منتج دواجن مصري” مرتبطة بصورة إيجابية في ذهن المستورد.
دور الدولة.. من التنظيم إلى التمكين
لا يمكن للقطاع الخاص وحده بناء استراتيجية تصديرية وطنية، فالدولة مطالبة بتوفير بيئة استثمارية مستقرة، ودعم الإنتاج المحلي من الأعلاف ومدخلات الإنتاج، وتسهيل التمويل، وتطوير الخدمات البيطرية والرقابة على الأمراض، وتحديث التشريعات، ودعم التحول من القطاع غير الرسمي إلى الإنتاج المنظم، كما أن الدولة تستطيع لعب دور مهم في التفاوض على فتح الأسواق، وإبرام البروتوكولات الصحية، وتسهيل إجراءات الاعتماد والتصدير، وتوفير المعلومات المتعلقة بالأسواق الخارجية، ويجب أن تكون هناك رؤية متكاملة تجمع بين وزارات الزراعة والتموين والتجارة والصناعة والنقل والجهات البيطرية والرقابية والقطاع الخاص.
ماذا عن صغار المنتجين؟
التحول إلى صناعة تصديرية لا يعني أن الصناعة يجب أن تصبح حكرًا على الشركات الكبيرة، بل يمكن لصغار المنتجين أن يكونوا جزءًا مهمًا من هذه الاستراتيجية من خلال التعاقدات والتجمعات الإنتاجية، ويمكن للشركات الكبرى والمجازر والمصانع أن ترتبط بالمربين بعقود توفر لهم الكتاكيت والأعلاف والخدمات الفنية، ثم تشتري الإنتاج وفق شروط واضحة، وبذلك ينتقل المربي من العمل منفردًا في سوق شديدة التقلب إلى العمل داخل سلسلة قيمة منظمة.
البحث العلمي كأداة للتصدير
يمثل البحث العلمي أحد الركائز الأساسية لبناء صناعة دواجن قادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية، وهو ما يستدعي تعزيز الشراكة بين شركات الدواجن والجامعات ومراكز البحث العلمي، وتوجيه حوافز استثمارية وتشجيعية للشركات التي تخصص جزءًا من استثماراتها للبحث والتطوير. ويمكن أن تتركز هذه الجهود على مجالات ذات أثر مباشر في رفع القدرة التنافسية للقطاع، مثل تحسين السلالات ورفع معدلات التحويل الغذائي، وتطوير الأعلاف، وتعزيز مقاومة الأمراض وتحسين برامج التحصين، إلى جانب تطوير نظم إدارة المخلفات وخفض استهلاك الطاقة والمياه، فضلًا عن الابتكار في تقنيات التصنيع والتعبئة بما يتوافق مع متطلبات الأسواق التصديرية. ومن هذا المنظور، فإن بناء منتج دواجن قادر على المنافسة عالميًا لا يبدأ عند الميناء أو في مرحلة التصدير، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير؛ من المختبر ومركز البحث العلمي، مرورًا بالمزرعة وخطوط الإنتاج، وصولًا إلى منتج يتمتع بالجودة والكفاءة والقدرة على النفاذ إلى الأسواق العالمية
إن انتقال صناعة الدواجن المصرية إلى صناعة تصديرية لا يتحقق بمجرد زيادة أعداد الطيور أو ظهور فائض مؤقت في السوق، فالقاعدة الأساسية هي أن تصبح مصر قادرة على إنتاج كميات مستقرة بتكلفة تنافسية، وفي منشآت ذات وضع صحي معتمد، ثم تصنيع المنتجات وتعبئتها ونقلها وفق المعايير الدولية، وتسويقها في أسواق محددة بصورة منتظمة، وتملك مصر بالفعل مقومات مهمة لهذا التحول: موقعًا جغرافيًا متميزًا، وقاعدة إنتاجية كبيرة، وسوقًا محلية واسعة، وخبرات تراكمية، واستثمارات ضخمة في القطاع، لكن الاستفادة من هذه المقومات تتطلب إصلاحًا هيكليًا يبدأ من الأعلاف والجدود والأمهات، ويمر بالأمن الحيوي والتكنولوجيا والتصنيع، وينتهي باللوجستيات والأسواق والعلامة التجارية، ومن هنا فإن الهدف الاستراتيجي يجب ألا يكون مجرد زيادة صادرات الدواجن، وإنما بناء صناعة دواجن تنافسية قادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة، إن مصر تستطيع أن تنتقل تدريجيًا من صناعة تستهدف تلبية الطلب المحلي إلى صناعة تنافسية قادرة على تحقيق ثلاثة أهداف في وقت واحد: الأمن الغذائي، وخلق القيمة المضافة، وزيادة الصادرات، وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم مستقبل صناعة الدواجن المصرية خلال السنوات المقبلة.


















