يا سلام على أيام زمان و”ابن سلام”… مين فينا ما ارتبطش اسمه بضحكة من القلب ولعب لحد التعب؟
المكان ده كان جنة طفولتنا، وخصوصًا في شم النسيم، كانت طلعة ابن سلام مغامرة من نوع خاص، وموعد سنوي مع البهجة ولمة الأحباب.
قرية ابن سلام، التي كانت تتبع قديمًا السنبلاوين، وتقع بالقرب من قرى مركز المنصورة، تحتضن مقام العارف بالله عبدالله ابن سلام.
هو صحابي جليل من يهود يثرب، آمن برسالة النبي محمد، وكان يُعد من علماء قومه، ليصبح رمزًا للهداية واليقين، وتجسيدًا للتحوّل الروحي الذي لا يخضع للعرق أو الأصل، بل للإيمان العميق.
في طفولتنا، كان المولد هناك يُعد من أكبر الموالد في الدلتا، يستمر لأيام، تتداخل فيه الطقوس الدينية مع الاحتفال الشعبي: حلقات الذكر والإنشاد، الزار، الباعة الجائلون، زغاريد النسوة، وضجيج الأطفال وهم يتمرغون فوق “التبة” المباركة، طلبًا للبركة.
كنا ندخل غرفة صغيرة بجوار المسجد، يردد الناس فيها أسماء الأولياء، فينعكس خيالهم على الجدار، فنظن – نحن والأبرياء من الناس – أننا نرى الحسين أو السيدة زينب، في مشهد لا يُفرّق فيه الخيال عن التصديق، ولا البراءة عن الأسطورة.
وفي شم النسيم، كان لنا طقس لا يقل قداسة عن غيره: السردين، البيض الملون، وتسلق التل الأثري المجاور، حيث يُقال إنه كان هناك “قصر بنت اليهود”، بيتٌ غامض اختلطت حوله الروايات: أهي أسطورة؟ أم أثر مهجور؟ أم خيال شعبي صنعه الزمان؟
ورغم أن القطار الشرق الفرنساوي كان يربط قريتنا بهذه البقعة كل موسم، إلا أن المولد اختفى، الزفة بهتت، ولم يبقَ إلا المقام، وذاكرة من مرّوا من هنا، وبعضهم لم يزل يحنّ، إذا ما ذهب لتقديم واجب عزاء أو عابرًا بالمكان.
حتى اسم القرية تغيّر، من “ابن سلام” إلى “كفر الأمير”، لأسباب لا نعرفها، كأن الزمن قرر أن يُعيد تشكيل الحكاية، ويمحو ما تبقى من الذاكرة… لكن هيهات!
الموالد في مصر، كانت ولا تزال مسارح للروح الشعبية، حيث يمتزج الدين بالفرجة، والتصوف بالحياة اليومية، ويعلو صوت الحكائين جنبًا إلى جنب مع الذكر… إنها تجسيد لروح المجتمع حين يحتفي بنفسه.
وهكذا، تبقى الطفولة ساكنة فينا، لا تمحوها الأيام، و”ابن سلام” ليس مقامًا فقط، بل بوابة لذاكرة لا تزال حية… تُضيء كلما استدعينا الحنين، وغمضنا أعيننا لنلمح من جديد ظلًا على الحائط، يهمس لنا من زمنٍ لا يُنسى…!!
محمد سعد عبد اللطيف ،كاتب وباحث مصري


















