في الحروب الكبرى هناك مدن لا تسقط وحدها، وإنما تسقط معها حسابات استراتيجية كاملة.
والمخا واحدة من هذه المدن.
فإذا تأكدت السيطرة على مدينة المخا ومينائها من جانب أنصار الله، فإن التطور لا يمكن قراءته باعتباره مجرد انتصار عسكري في الحرب اليمنية، لأن المخا تقع في منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد والأمن الدولي.
هنا نحن أمام الساحل الغربي لليمن، وأمام البحر الأحمر، وعلى مسافة قريبة من باب المندب.
وهذا يعني أن السؤال لم يعد فقط: من يسيطر على المخا؟
السؤال الأخطر هو: من يملك القدرة على تغيير معادلة الملاحة في باب المندب؟
المخا ليست مجرد مدينة
المخا لها قيمة استراتيجية تتجاوز حدودها الجغرافية.
فهي تقع على ساحل البحر الأحمر، وتقترب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ولذلك فإن السيطرة عليها تمنح أي طرف قدرة أكبر على الحركة والتمركز والضغط في اتجاه الجنوب.
ولا يعني ذلك أن سقوط المخا يساوي سقوط باب المندب.
هذه معادلة مختلفة.
لكن بين المخا وباب المندب توجد مساحة جغرافية وعسكرية يمكن أن تتحول إلى مسرح للمعركة القادمة.
وهنا تظهر أهمية جزيرة ميون، أو بريم، التي تقع في مدخل المضيق.
ومن يراقب الخريطة جيدا يعرف أن المعركة الحقيقية ليست في المدينة وحدها، وإنما في سلسلة المواقع التي يمكن أن تفتح الطريق أمام نفوذ أكبر على حركة الملاحة.
ولهذا فإن سقوط المخا، إذا استقر ميدانيا، قد يكون نقطة تحول في الصراع على الساحل الغربي.
من يسيطر على الساحل يضغط على البحر
هذه هي القاعدة التي يجب أن نفهم من خلالها ما يجري.
أنصار الله لا يحتاجون بالضرورة إلى إغلاق باب المندب حتى يفرضوا واقعا جديدا.
يكفي أن يصبح المضيق تحت تهديد مستمر حتى ترتفع كلفة الملاحة والتأمين، وتبدأ شركات النقل في إعادة حساباتها.
وهذا ما يجعل البحر الأحمر جزءا من الحرب.
السفينة التي تغير طريقها لا تحتاج إلى إعلان حرب.
وشركة التأمين التي ترفع أسعارها لا تحتاج إلى إطلاق صاروخ.
والشركة التجارية التي تختار طريقا أطول لا تحتاج إلى اتخاذ موقف سياسي.
لكن النتيجة في النهاية واحدة:
الحرب تنتقل من الأرض إلى الاقتصاد العالمي.
وهنا تكمن خطورة باب المندب.
هل انهارت جبهة الساحل الغربي؟
المعلومات المتداولة عن تقدم أنصار الله وانهيار بعض خطوط الدفاع وهروب أعداد من القوات الموجودة في المنطقة تحتاج إلى متابعة ميدانية دقيقة.
لكن إذا ثبت أن ما حدث لم يكن انسحابا تكتيكيا محدودا، وإنما انهيارا واسعا في منظومة الدفاع، فنحن أمام تحول أكبر من مجرد خسارة مدينة.
لأن انهيار خط دفاعي كامل يعني أن الطرف المقابل قد يجد نفسه مضطرا إلى بناء جبهة جديدة من الصفر.
وهذا يحتاج إلى وقت.
والوقت في الحروب الاستراتيجية ليس دائما في مصلحة الطرف المتراجع.
السؤال الآن:
هل تستطيع القوات المدعومة من التحالف إعادة تنظيم صفوفها؟
هل تستطيع وقف التقدم؟
هل تستطيع حماية المناطق المتبقية من الساحل الغربي؟
وهل يمكنها منع انتقال الضغط العسكري باتجاه المناطق الأقرب إلى باب المندب؟
هذه الأسئلة ستحدد مستقبل المعركة أكثر من أي بيان عسكري.
أمريكا أمام اختبار مختلف
المشكلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة أن اليمن لم يعد جبهة منفردة.
هناك الخليج.
هناك إيران.
هناك البحر الأحمر.
هناك القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
وهناك إسرائيل ولبنان وسوريا والعراق، وكلها ساحات يمكن أن تتأثر بأي تصعيد واسع.
وهنا يصبح السؤال عن القدرة الأمريكية أكثر تعقيدا.
ليس السؤال: هل تستطيع أمريكا ضرب اليمن؟
بالتأكيد تستطيع.
ولكن هل تستطيع حماية كل مصالحها وقواعدها وممراتها البحرية في الوقت نفسه، إذا اتسعت الحرب وتحولت إلى صراع متعدد الجبهات؟
هذه هي المشكلة الحقيقية.
القوة الأمريكية تستطيع الوصول إلى مسافات بعيدة، لكنها لا تستطيع إلغاء الجغرافيا.
والجغرافيا هنا تعمل ضد فكرة الحرب السريعة.
كلما اتسعت مساحة الصراع، زادت تكلفة حماية المصالح الأمريكية.
وكلما زاد عدد الجبهات، أصبح القرار العسكري أكثر تعقيدا.
إيران والخليج وباب المندب.. خريطة واحدة
ما يحدث في اليمن يجب ألا يُقرأ منفصلا عن الصراع مع إيران.
فالمنطقة أصبحت أشبه برقعة شطرنج واحدة.
الخليج في جهة.
باب المندب في جهة أخرى.
البحر الأحمر بينهما.
وإيران تملك أوراقا في الخليج، بينما يمتلك أنصار الله موقعا جغرافيا بالغ الحساسية في اليمن.
ومن هنا فإن أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة في المكان الذي بدأت فيه.
صاروخ في الخليج قد يؤثر على الملاحة.
هجوم في البحر الأحمر قد يرفع أسعار التأمين.
اضطراب في باب المندب قد يضغط على قناة السويس.
وأزمة في قناة السويس يمكن أن تصل آثارها إلى أوروبا وآسيا.
هكذا تعمل الجغرافيا السياسية.
وماذا عن مصر؟
بالنسبة إلى مصر، فإن ما يحدث في اليمن ليس خبرا بعيدا.
باب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، والبحر الأحمر هو الطريق الذي تصل عبره حركة الملاحة إلى قناة السويس.
ولذلك فإن استقرار باب المندب يمثل جزءا من أمن قناة السويس.
وأي تهديد طويل المدى للملاحة في البحر الأحمر يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويدفع مزيدا من السفن إلى البحث عن طرق بديلة.
وهنا لا نتحدث فقط عن مسألة عسكرية.
نحن نتحدث عن الاقتصاد المصري، وعن التجارة العالمية، وعن مكانة قناة السويس في حركة النقل بين الشرق والغرب.
ومن هنا تصبح التطورات في المخا ذات أهمية خاصة لمصر.
المعركة القادمة ليست بالضرورة عسكرية
وهذه نقطة مهمة.
قد يعتقد البعض أن المعركة القادمة ستكون معركة صواريخ وطائرات فقط.
لكنها قد تكون معركة إرادات.
من يستطيع الصمود أكثر؟
من يستطيع تحمل التكلفة الاقتصادية؟
من يستطيع حماية خطوط الإمداد؟
من يستطيع إبقاء الملاحة مفتوحة؟
ومن يستطيع إجبار الطرف الآخر على التراجع دون الدخول في حرب إقليمية شاملة؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد شكل المرحلة القادمة.
لأن الحرب الحديثة لا تنتصر فيها دائما القوة التي تملك الطائرات الأكثر تطورا.
أحيانا ينتصر الطرف الذي يستطيع أن يجعل تكلفة الحرب على خصمه أكبر من تكلفة استمرارها عليه.
المخا هي البداية.. وليس النهاية
حتى الآن، لا يمكن القول إن سقوط المخا يعني سقوط باب المندب.
ولا يمكن القول إن أنصار الله أصبحوا يسيطرون على المضيق لمجرد السيطرة على مدينة ساحلية.
لكن يمكن القول إن المخا، إذا ثبت سقوطها واستقرت السيطرة عليها، تفتح مرحلة جديدة في الحسابات العسكرية والسياسية على الساحل الغربي.
ومن هنا يجب مراقبة المشهد خطوة بخطوة.
المخا أولا.
ثم الساحل الغربي.
ثم ميون.
ثم باب المندب.
وبين هذه النقاط الأربع تتحدد صورة المعركة القادمة.
فإذا توقفت قوات أنصار الله عند المخا، فقد يتحول التطور إلى مكسب عسكري مهم دون أن يتغير ميزان البحر الأحمر بصورة جذرية.
أما إذا استمر التقدم جنوبا، وأصبح الضغط أقرب إلى باب المندب، فإن المعادلة ستتغير بالكامل.
عندها لن تكون القضية يمنية فقط.
ستدخل السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل ومصر وأوروبا في حسابات جديدة، لأن أي اضطراب كبير في باب المندب سيصل صداه إلى التجارة والطاقة وقناة السويس.
وهنا تصبح المخا أكثر من مدينة.
تصبح مؤشرا على اتجاه الخريطة كلها.
السؤال الأخطر
العالم لا يخشى فقط من إغلاق باب المندب.
العالم يخشى من أن يصبح باب المندب منطقة خطر دائم.
لأن التجارة العالمية تستطيع تحمل أزمة مؤقتة، لكنها تجد صعوبة في التعامل مع ممر استراتيجي يتحول إلى منطقة تهديد مستمر.
وهنا يمكن أن يتحول اليمن من ساحة حرب إلى ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي.
وهذا هو التطور الذي يجب أن تراقبه واشنطن والرياض وتل أبيب والقاهرة والعواصم الأوروبية بعناية.
فالمعركة لم تعد فقط على مدينة.
إنها معركة على الجغرافيا البحرية.
ومن يملك القدرة على تهديد الممرات البحرية يمتلك ورقة تفاوض تتجاوز حدود الجبهة التي يقاتل فيها.
لهذا فإن السؤال الحقيقي الآن ليس:
هل سقطت المخا؟
بل:
ماذا بعد المخا؟
هل تتوقف المعركة عند الساحل؟
أم تتحرك نحو ميون؟
أم يصبح باب المندب نفسه عنوان المرحلة القادمة؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان ما حدث مجرد تحول عسكري داخل الحرب اليمنية، أم بداية لإعادة رسم خريطة القوة في البحر الأحمر.
والأخطر أن المنطقة كلها تتحرك فوق رقعة شديدة الحساسية.
المخا قد تكون البداية.. لكن باب المندب هو مفتاح الحكاية.





















