ليس المنع مقياسًا للقيمة، والإقصًاء دليلًا على الغياب، فهناك كُتَّاب تغلق في وجوههم الأبواب، لكنهم يفتحون نوافذ في العقول، وهناك مفكرون يحاصر حضورهم في القاعات، بينما يتمدد أثرهم في الوجدان.
من هؤلاء الكاتب والمفكر المصري الدكتور عمار علي حسن، الذي لم تكن الكتابة عنده يومًا مهنة عابرة، بل رسالة أخلاقية وجمالية، وموقفًا إنسانيًا، وطريقًا طويلًا في خدمة الوعي والحرية.

إن كنت منعت من المشاركة في معرض الكتاب يا دكتور عمار فاعلم أن المنع لا يقصي الفكرة، ولا يطفئ نور الكلمة، ولا ينهي علاقة الكاتب بقارئه، فالقارئ الحقيقي لا ينتظر جناحًا في معرض، ليصل إلى الكاتب بل يبحث عنه في السطر الصادق، والفكرة الشجاعة، واللغة التي تمس القلب قبل العين.
تميز الدكتور عمار علي حسن منذ بداياته بأنه لم يكتب ليزين المشهد الثقافي بل ليقلقه. لم يدخل عالم الفكرة ليجامل الواقع بل ليحاوره، ويعاركه بالأسئلة. في رواياته وفي قصصه ومقالاته ودراساته العلمية نجد عقلًا يقظًا لا يطمئن إلى المسلمات وقلبًا منحازًا للإنسان البسيط وهمومه وكرامته وحلمه في حياة أعدل وأكثر اتساعًا.
الكتابة عنده ليست هروبًا من الواقع بل غوصا فيه فشخصياته ليست كرتونية بل بشر حقيقيون محاصرون بالخوف مشدودون إلى الأمل مترددون بين القبول والرفض بين الصمت والمواجهة وكأن عمار في كل نص يضع القارئ أمام مرآته الخاصة من أنت في هذا العالم؟ وأين تقف حين تختبر القيم؟
ما يمز تجربة عمار علي حسن أنه لم يفصل يومًا بين الأدب والفكر، فالرواية لديه، مع أخذها بالشروط الفنية أو الجمالية، ليست حكاية للتسلية بل وسيلة لفهم المجتمع والسلطة والتحولات النفسية والروحية للإنسان المصري والعربي.
والمقال الفكري عنده ليس تنظيرًا باردًا بل محاولة دائمة لربط الثقافة بالحياة والمثقف بالناس والحرية بالمسؤولية.
هو من أولئك الذين يرون أن الكاتب لا يعيش في برج عاج بل في قلب الأسئلة اليومية كيف تصادر الحرية؟ كيف يتحول الخوف إلى ثقافة؟ كيف يدجن الوعي؟ وكيف تقاوم الكلمة قبل أن تقاوم اليد؟
ولهذا جاءت لغته واضحة دون فجاجة، عميقة دون تعقيد، جميلة دون استعراض، يكتب ليصل لا ليدهش فقط، ويقنع لا ليغلب.
في زمن تفضل فيه الثقافة المروضة، ويُحتفى فيه بالصوت الآمن أكثر من الصوت الصادق يصبح وجود مفكر مثل عمار علي حسن ضرورة وقلقًا في آن واحد، فهو لا يقبل أن يكون مثقف ديكور للسلطة، ولا شاهد زور على الزمن، بل ضميرًا حيًا يسأل ويحلل وينبه، ومن هنا نفهم أن المنع إن حدث لا يكون لأن الكاتب غائب، بل لأنه حاضر أكثر مما ينبغي للبعض، إذ أن الكلمة الحرة بطبيعتها تربك، ولأن الفكرة النقية لا يتعايش طويلا مع التزييف.
لكن التاريخ يجبرنا دائما أن ما يقصى إداريًا يعود أقوى معنويًا، وأن من يحاصر في المكان يتسع في المعنى معرض الكتاب الحقيقي.
يا دكتور عمار، ليس مبنى ولا جناح ولا منصة توقيع، المعرض الحقيقي هو عقل القارئ وذاكرته والأسئلة التي تظل ترافقه بعد أن يغلق الكتاب. هناك في تلك المساحة الصامتة بين الكاتب والقارئ يعيش عمار علي حسن حضورًا لا يُمنع ولا يُصادر.
أنت حاضر في قارئ وجد في نصوصك فزاعة التفكير، حاضر في شاب تعلم منك أن الحرية تبدأ من الوعي، حاضر في مثقف استعاد عبر كتاباتك معنى أن يكون للكلمة شرف، فكيف يمنع من يسكن القلوب؟ّ
قد تُحجب النوافذ لكن الشمس تبقى. قد تغلق القاعات لكن الضوء يتسرب، وقد يمنع الإسم من لافتة لكن المعنى لا يُمحى من الذاكرة.
عمار علي حسن يشبه تلك الشمس التي لا تحتاج إلا لتشرق، فكتاباته وحدها تمشي بين الناس، وتتناقلها العقول، وتحتفظ بها القلوب، وتستعيدها اللحظة كلما ضاق الأفق، واحتاج الإنسان إلى كلمة نظيفة تذكره بذاته. يا دكتور عمار إن كانت المشاركة في معرض الكتاب حقًا ثقافيًا فإن حضورك في وجدان قرائك حق إنساني لا يستطيع أحد مصادرته.
ستبقى نموذجًا للمثقف الذي لا يساوم على وعي، ولا يفرط في لغته، ولا يخون فكرته. دمت مثالًا للكلمة الحرة، ودمت شاهًدا على أن الفكرة النقية لا تمنع، وأن الشمس مهما حاولوا لا تُحجب.



















