منذ بداية القرن الحادي والعشرين، لم تعد الولايات المتحدة تدير سياستها الخارجية كدولة عظمى تبحث عن الاستقرار، بل كقوة تُتقن صناعة الفوضى ثم الاستثمار فيها، فحيثما وُجدت الثروات، وُجدت الذرائع. وحيثما غابت الذرائع، صُنعت.
تحت لافتة “مكافحة الإرهاب”، تم تفكيك دول، وإعادة رسم خرائط، وزرع صراعات داخلية لا تنتهي، في أفغانستان، صُنعت المأساة ثم تُركت مفتوحة، وفي العراق، تحولت “أسلحة الدمار الشامل” إلى أكبر خدعة سياسية لتبرير احتلال دمّر دولة بالكامل.
أما في الخليج، فكان المشهد أكثر وضوحًا: حماية مقابل تبعية، وقواعد عسكرية مقابل صفقات بمليارات الدولارات، وفزاعة دائمة تُدعى “إيران” تُستخدم كلما دعت الحاجة لإعادة ضبط الإيقاع.
لكن التحول الأخطر لم يكن في السياسات فقط، بل في الخطاب نفسه.
ومع صعود دونالد ترامب، خرجت السياسة الأمريكية من عباءة الدبلوماسية إلى حالة من الفجاجة غير المسبوقة. لم يعد الأمر يتعلق بإدارة مصالح، بل بفرض إملاءات بلغة أقرب إلى الابتزاز العلني. رئيس يتعامل مع الحلفاء كعملاء، ومع الخصوم كأهداف، ويقيس العلاقات الدولية بحجم ما يُدفع لا بما يُبنى.
تصريحات ترامب لم تكن مجرد انفعالات عابرة، بل عكست عقلية ترى العالم “صفقة مفتوحة”، من تهديد دول بالإزالة من الخريطة، إلى الضغط العلني على حلفائه، وصولًا إلى الانفلات اللفظي الذي تجاوز كل الأعراف السياسية.
وما حدث مؤخرًا، من سخرية وإهانة لفظية طالت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، لم يكن مجرد زلة لسان، بل كاشفًا حقيقيًا لطبيعة هذه العلاقة المختلة؛ علاقة قائمة على المال والنفوذ لا على الاحترام المتبادل، حين يصل الخطاب إلى هذا المستوى من الابتذال، فنحن لا أمام سياسة، بل أمام عقلية تاجر يرى في الدول خزائن، وفي القادة مجرد أدوات تفاوض.
وفي سياق موازٍ، جاءت الاتفاقيات الإبراهيمية، التي تم تسويقها كخطوة نحو السلام، بينما تحمل في جوهرها إعادة تشكيل كاملة للمنطقة، ليست مجرد اتفاقيات تطبيع، بل محاولة لإعادة ترتيب الأولويات، ودمج الكيان الصهيوني في المنطقة دون حل عادل للقضية الفلسطينية، وتفريغ الصراع من مضمونه التاريخي.
الطرح الأكثر خطورة هنا، ليس في السلام ذاته، بل في الطريقة التي يُعاد بها تشكيل الوعي، وتحويل العدو إلى شريك، وتهميش القضية المركزية، وخلق واقع جديد تُصبح فيه المصالح الاقتصادية بديلاً عن العدالة السياسية.
البعض يرى في ذلك محاولة أوسع لإضعاف العالم العربي والإسلامي، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل عبر التفكيك الناعم: تفكيك الهوية، تفكيك الأولويات، وتفكيك القدرة على اتخاذ موقف موحد.
وفي خضم هذا كله، تتزايد الضغوط على الداخل الأمريكي نفسه، خاصة مع ارتباط اسم ترامب بملفات شائكة مثل قضية جيفري إبستين، والتي ظلت تلاحقه، وتضعه تحت ضغط مستمر، ينعكس في خطاب أكثر توترًا وعدوانية كلما اشتدت الأزمات حوله.
وفي المقابل، لم تعد القوى الإقليمية تتحرك بنفس قواعد الماضي، هناك محاولات لإعادة التوازن، ورفض للهيمنة المطلقة، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للسيطرة من طرف واحد.
العالم لم يعد يدار بالقوة فقط، بل بالفوضى المنظمة، والولايات المتحدة لم تعد تقدم نفسها كقائد للنظام الدولي، بل كمدير لصراعاته.
أما نحن، فالمعضلة الحقيقية ليست فقط في ما يُحاك ضدنا، بل في عجزنا عن بناء موقف موحد قادر على المواجهة، لأن من لا يملك قراره، سيظل دائمًا جزءًا من لعبة.. حتى لو كان ثمن بقائه فيها كرامته.






















