في السياسة قد تختلف الأزمنة وتتغير الوجوه، لكن النتيجة تبقى واحدة عندما يغيب التأهيل الحقيقي وتُستبدل الكفاءة بالشعبوية أو النفوذ، ومن يتابع أداء بعض أعضاء البرلمان الحالي لا يستطيع أن يتجاهل أوجه التشابه المقلقة مع مجلس 2012 الذي هيمن عليه التيار الإسلامي، رغم التباين الكامل في الخلفيات السياسية بين المجلسين.
ففي برلمان 2012 شهدنا نوابًا يسعون إلى لفت الأنظار بخطابات وشعارات ومشاهد استعراضية، حتى وصل الأمر إلى أن يقف أحد النواب ليؤذن أثناء انعقاد الجلسة، كان الهدف واضحًا: مخاطبة العاطفة الشعبية أكثر من ممارسة الدور التشريعي والرقابي.
واليوم، وبعد أكثر من عقد من الزمن، تبدلت الأدوات لكن المشهد لم يتغير كثيرًا، فبدلًا من الاستعراض الديني، نشاهد طلبات إحاطة تثير الدهشة أكثر مما تقدم حلولًا، ونوابًا ينشغلون بقضايا هامشية كالتبرج والظهور الإعلامي للفنانين، أو جدلًا حول كيفية ذكر الأسماء داخل المضبطة، أو طلبات إحاطة بسبب انخفاض أسعار البيض وكأن المشكلة أصبحت في تراجع الأسعار لا في ارتفاعها.
كما بات من السهل ملاحظة مداخلات تُقرأ من أوراق معدة مسبقًا بلغة أقرب إلى نصوص الذكاء الاصطناعي منها إلى اجتهاد نائب يعيش بين الناس ويعبر عنهم.
الفارق الحقيقي بين المجلسين ليس في الأداء، بل في طريقة الوصول إلى المقاعد، فبرلمان 2012 جاء نتيجة موجة شعبوية دينية خاطبت غرائز الناخبين، بينما جاء كثير من نواب اليوم عبر معادلات المال والنفوذ والقوائم المغلقة التي أوصلت أشخاصًا إلى البرلمان دون رصيد سياسي أو مجتمعي يبرر وجودهم تحت القبة.
وفي الحالتين كانت النتيجة واحدة: برلمان بعيد عن المواطن الحقيقي، المواطن الذي ينتظر تشريعات تحسن معيشته، ورقابة تكشف أوجه القصور، ونوابًا يحملون همومه اليومية، لا أن ينشغلوا بمعارك جانبية أو قضايا لا تمس أولوياته.
إن الأزمة ليست في الأشخاص فقط، بل في الطريقة التي يُصنع بها البرلمان. فعندما يُبنى المجلس على أسس الولاء أو الشعبية المؤقتة أو القدرة المالية، يصبح من الطبيعي أن يغيب الأداء الجاد وتحضر المشاهد المثيرة للجدل.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مشهد يثبت أن اختلاف الزمن لا يعني بالضرورة اختلاف النتيجة، وأن البرلمان غير المؤهل يظل غير مؤهل، مهما تغيرت شعارات أعضائه أو اتجاهاتهم.



















