شهدت الساعات الأخيرة تطورات متسارعة في الملف اليمني، انعكست على مستوى التنسيق بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، في ظل تباينات معروفة بين الطرفين بشأن بعض القضايا المرتبطة بإدارة الصراع، خاصة في جنوب اليمن.
قوى فاعلة متعددة داخل الساحة اليمنية
تأتي هذه التطورات في إطار مشهد يمني شديد التعقيد، تشارك فيه عدة أطراف رئيسية، من بينها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والمدعومة من السعودية، إلى جانب المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يطالب بإدارة ذاتية أو انفصال الجنوب، ويحظى بدعم إماراتي.
ويُعد اختلاف المواقف تجاه مستقبل جنوب اليمن أحد أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين السعودي والإماراتي.
حضرموت وأهميتها الاستراتيجية
وتحظى محافظة حضرموت بأهمية خاصة في الحسابات السياسية والعسكرية، نظرًا لموقعها الجغرافي ومساحتها وتأثيرها على توازن القوى في شرق وجنوب اليمن. وتؤكد السعودية دعمها للسلطات التابعة للحكومة اليمنية في المحافظة، باعتبارها جزءًا من الدولة اليمنية الموحدة.
تحركات ميدانية
وشهد محيط ميناء المكلا خلال الفترة الأخيرة تحركات عسكرية أثارت حالة من الترقب، في ظل حديث عن وصول شحنات عسكرية إلى المنطقة دون تنسيق معلن مع السلطات الرسمية اليمنية. وأدت هذه التطورات إلى رفع مستوى الاستعداد الأمني في محيط الميناء.
وأعلنت قوات التحالف العربي بقيادة السعودية اتخاذ إجراءات عسكرية محدودة في محيط ميناء المكلا، مع دعوات للمدنيين إلى توخي الحذر والابتعاد عن مناطق التوتر، في إطار ما وصفته بجهود حماية الأمن والاستقرار.
السعودية: ما قامت به الإمارات يُعد تهديدًا للأمن الوطني السعودي
أعربت وزارة الخارجية السعودية، عن أسف المملكة لما وصفته بضغط قامت به دولة الإمارات على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، لدفعها لتنفيذ عمليات عسكرية على الحدود الجنوبية للمملكة في محافظتي حضرموت والمهرة باليمن، كما دعت السعودية الإمارات إلى الاستجابة لطلب الحكومة اليمنية بسحب قواتها العسكرية خلال 24 ساعة، ووقف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف داخل اليمن.
وأوضحت وكالة الأنباء السعودية في بيان نشر اليوم، أن المملكة بذلت جهودًا للتنسيق مع الإمارات من أجل احتواء الخطوات التصعيدية التي قام بها المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة. كما أشار البيان إلى ما ورد في بيانات مجلس القيادة الرئاسي اليمني وقيادة التحالف العربي بشأن تحرك سفن محملة بالأسلحة والعربات الثقيلة من ميناء الفجيرة إلى ميناء المكلا، دون الحصول على تصاريح رسمية من قيادة القوات المشتركة للتحالف.
وأكدت وزارة الخارجية السعودية أن ما قامت به الإمارات من ضغط على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي يُعد تهديدًا للأمن الوطني السعودي، ولأمن واستقرار اليمن والمنطقة. ووصفت المملكة هذه الخطوات بأنها بالغة الخطورة، ولا تتوافق مع الأسس التي أُنشئ عليها تحالف دعم الشرعية في اليمن، ولا تخدم الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد.
أبو ظبي حريصة على أمن واستقرار السعودية
قالت وزارة الخارجية الإماراتية، إنها تعرب عن أسفها الشديد لما ورد في بيان المملكة العربية السعودية، وما تضمنه من معلومات وصفتها بـ«المغالطات الجوهرية» بشأن دور دولة الإمارات في التطورات الجارية في اليمن.
وأكدت الإمارات في بيان صدر اليوم، رفضها القاطع الزجّ باسمها في التوتر الحاصل بين الأطراف اليمنية، مستنكرة ما وصفته بادعاءات حول قيامها بالضغط أو توجيه أي طرف يمني لتنفيذ عمليات عسكرية تمس أمن المملكة العربية السعودية أو تستهدف حدودها.
وشددت وزارة الخارجية الإماراتية على حرص أبوظبي الدائم على أمن واستقرار السعودية، واحترامها الكامل لسيادتها وأمنها الوطني، ورفضها لأي أعمال من شأنها تهديد أمن المملكة أو أمن المنطقة.
وأوضحت الإمارات أنها سعت منذ بداية الأحداث في محافظتي حضرموت والمهرة إلى احتواء الموقف، ودعم مسارات التهدئة، والعمل على التوصل إلى تفاهمات، وذلك بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية.
كما أعربت عن رفضها لما ورد في بيان المتحدث العسكري باسم قوات التحالف في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، بشأن تنفيذ عملية عسكرية محدودة استهدفت أسلحة وعربات قتالية أُفرغت من سفينتين في ميناء المكلا، معتبرة أن البيان صدر دون التشاور مع الدول الأعضاء في التحالف.
وأكدت وزارة الخارجية الإماراتية أن الشحنة المشار إليها لم تتضمن أي أسلحة، وأن العربات التي تم إنزالها لم تكن مخصصة لأي طرف يمني، وإنما للاستخدام من قبل القوات الإماراتية العاملة في اليمن، مشيرة إلى أن ما تم تداوله لا يعكس حقيقة طبيعة الشحنة أو الغرض منها.
وأضافت أن هناك تنسيقًا على مستوى عالٍ بين الإمارات والسعودية بشأن هذه العربات، مع اتفاق على عدم خروجها من الميناء، مؤكدة أنها فوجئت باستهدافها داخل ميناء المكلا.
وأشارت الوزارة إلى أن الوجود الإماراتي في اليمن جاء بدعوة من الحكومة اليمنية الشرعية، وضمن التحالف العربي بقيادة السعودية، بهدف دعم استعادة الشرعية ومكافحة الإرهاب، مع الالتزام باحترام سيادة اليمن، لافتة إلى التضحيات التي قدمتها الإمارات ومساندتها للشعب اليمني.
وقالت الوزارة إن هذه التطورات تثير تساؤلات حول طريقة التعامل معها وتداعياتها، خاصة في مرحلة تتطلب أعلى درجات التنسيق وضبط النفس، في ظل التحديات الأمنية والتهديدات المرتبطة بالجماعات المسلحة.
ودعت الإمارات إلى التعامل مع التطورات الأخيرة بمسؤولية، وبما يمنع التصعيد، وعلى أساس الوقائع الموثوقة والتنسيق القائم، بما يحفظ الأمن والاستقرار ويدعم مسار الحل السياسي في اليمن.
ويأتي البيان الإماراتي بعد بيان لوزارة الخارجية السعودية، أعربت فيه عن أسفها لما وصفته بضغط إماراتي على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي للقيام بعمليات عسكرية قرب الحدود الجنوبية للمملكة، ودعت فيه الإمارات إلى سحب قواتها من اليمن خلال 24 ساعة ووقف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف داخل البلاد.
مواقف إقليمية ودعوات للتهدئة
وصدرت دعوات إقليمية إلى التهدئة وضبط النفس، من بينها تصريحات إيرانية شددت على أهمية حماية المدنيين والحفاظ على وحدة اليمن وسيادته، وهو ما أعاد الجدل حول أدوار القوى الإقليمية المختلفة في الأزمة اليمنية.
استمرار هذه التباينات قد يفرض تحديات إضافية على التنسيق الإقليمي، في وقت تواجه فيه المنطقة أزمات متداخلة تتطلب مستويات عالية من التعاون السياسي والأمني بين دول الخليج.
مشهد مفتوح على عدة سيناريوهات
في المحصلة، تعكس التطورات الأخيرة حساسية المرحلة التي تمر بها الأزمة اليمنية، وما تحمله من تأثيرات محتملة على علاقات القوى الإقليمية المحيطة بها، وبينما تتواصل الجهود لاحتواء التصعيد، يبقى المشهد مفتوحًا على عدة سيناريوهات خلال الفترة المقبلة.





















