تضع التحركات الأمريكية الأخيرة لتشديد الحصار الاقتصادي على طهران فاعلية العقوبات على المحك؛ فبينما تتصاعد نبرة التهديدات الصادرة من واشنطن لردع الشركاء التجاريين لإيران، تشير المعطيات إلى أن الصين تشكل “الثغرة الأكبر” التي تجعل من محاصرة صادرات طهران النفطية أمراً صعب التحقيق عملياً.
تصعيد خطابي وحدود عملية
بدأت الجولة الجديدة من التصعيد بتحذيرات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متوعداً الدول المتعاملة تجارياً مع طهران بـ“عواقب وخيمة“. وتلاذلك تأكيد من وزير الخزانة، سكوت بيسنت، حول استراتيجية اقتصادية موسعة تستهدف تجفيف الموارد المالية لإيران.
غير أن تحليل البيانات الميدانية، الذي أوردته شبكة “سي إن إن“، يكشف عن اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والقدرة على التنفيذ. إذ تستحوذ بكين حالياً على نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيراني وفق تقديرات لجنة تابعة للكونجرس الأمريكي، وهي تدفقات تتم عبر شبكات موازيةولا تظهر في البيانات الجمركية الرسمية للصين، ما يجعل تعقبها أو فرض قيود حاسمة عليها أمراً بالغ المعقد.
توازنات سبتمبر وسياق التهدئة
لا تنفصل الحسابات الصينية عن السياق الجيوسياسي العام للعلاقات مع واشنطن. فبعد فترة من الاضطراب الشديد أشعلتها الرسوم الجمركية المتبادلة، اتجه الطرفان لإدارة التوتر بنوع من الحذر، تبلور في الزيارة التي قام بها ترامب إلى بكين في مايو الماضي.
وفي ظل الترتيبات الجارية لزيارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، المرتقبة للولايات المتحدة في سبتمبر المقبل، تبدو للطرفين مصلحة مشتركة في تجنب فتح جبهات تصعيد جديدة. ومن هذا المنطلق، جاء الرد الصيني عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية، لين جيان، ليعيد تأكيد الموقف الثابت لبكينبأن “العقوبات ليست حلاً“، داعياً إلى الالتزام بالمسار الدبلوماسي.
أوراق الضغط المضادة: معادن أرضية حاسمة
تثبت التجارب السابقة حدود فاعلية القيود الأمريكية؛ فعندما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على مصافٍ صينية خاصة (تُعرف بمصافي“التيبوت“)، جاء الرد الرسمي من بكين في مايو الماضي بتوجيه الشركات لتجاهل تلك القرارات.
تتلخص معادلة أوراق الضغط المتبادلة بين الطرفين فيما يلي:
العقوبات الأمريكية: تظل محصورة في أدوات مالية قد تؤدي إلى صدام تجاري شامل لا تحبذه واشنطن حالياً.
الورقة الصينية: تتمثل في الاحتكار شبه الكامل لسلاسل إمداد “المعادن الأرضية النادرة“؛ إذ تعالج بكين نحو 90% من الإنتاج العالمي لهذه الخامات الاستراتيجية التي تدخل في صناعة التكنولوجيا الدقيقة، والسيارات الكهربائية، والصناعات العسكرية الأمريكية.
وعليه أي خطوة أمريكية متصاعدة ضد قطاع الطاقة الصيني قد تدفع بكين لاستخدام القيد على توريد هذه المعادن، وهو خطر لا تبدو الإدارة الأمريكية مستعدة للمخاطرة به في المدى القريب.
رؤية طهران: الشراكة كحائط صد
على الجانب الآخر، يرى المراقبون أن طهران تدرك تماماً أهمية هذا الهامش في مناوراتها مع واشنطن. وفي هذا السياق، جاء مقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بمناسبة الذكرى الـ55 للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ليركز على أن الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع بكين لم تعدمجرد خيار تجاري، بل هي دعامة رئيسية لمواجهة الضغوط الغربية وإعادة التوازن للنظام الدولي.
وتُظهر القراءة المتأنية للمعطيات أن الإدارة الأمريكية تقف أمام معادلة معقدة؛ فإصرارها على فرض حظر شامل على النفط الإيراني يصطدم بشرط واقعي يتطلب فرض عقوبات على الكيانات الصينية المستوردة، وهو ما يعني المخاطرة باشتعال حرب تجارية جديدة مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وبناءً عليه، يرجح أن تظل العقوبات المرتقبة محصورة في نطاق رمزي أو محدد، دون أن تنجح في إغلاق شريان النفط الإيراني المتجه شرقاً.





















