بقى منتجو النفط في منأىً حتى الآن عن التأثير الاقتصادي لهجمات الحوثيين
تعتقد السعودية أن جهودها الدبلوماسية مع الحوثيين حمت صادراتها من النفط من الهجمات
لا يشكل الحوثيون التهديد الأكبر لاقتصادات دول الخليج
إذا استمرت التوترات الإقليمية قد تحتاج دول الخليج إلى إعادة النظر في استراتيجياتها
مع قيام حركة أنصار الله «الحوثيين» في اليمن، بتصعيد هجماتها على السفن التجارية في البحر الأحمر، اختارت دول الخليج البقاء على الحياد، واكتفت بالإعراب عن مخاوفها بشأن التهديد المتزايد المتمثل في احتمالية نشوب صراع أوسع نطاقًا في المنطقة.
وفي حين بقيت أبوظبي والرياض والكويت على الحياد، يبدو أن آخرين، مثل مسقط والكويت، يرون في هجمات الحوثيين رد فعل منطقي على الدعم الثابت من الدول الغربية لتل أبيب.
بينما كان موقف الدوحة الواضح في تصريح لرئيس مجلس الوزراء وزير خارجيتها الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، حين وصف التطورات بأنها «تصعيد خطير للغاية، لا تؤثر على المنطقة فحسب، بل تؤثر أيضًا على سلاسل التوريد العالمية».
في هذا التحليل، يرصد «الحرية»، لماذا رأت دول الخليج أن من مصلحتها عدم التدخل في صراع البحر الأحمر، خاصة بعد الضربات العسكرية البريطانية والأمريكية المستمرة على اليمن، منذ 11 يناير، والتي لم تردع الحوثيين عن وقف هجماتهم على الأهداف البحرية.
وعلى ما يبدو، فإن لدى هذه الدول أسبابها الخاصة لعدم المشاركة، بما في ذلك المخاوف الأمنية، وحقيقة أن اقتصاداتها بقيت إلى حد كبير محمية من تأثير الضربات.
والأهم من ذلك أن هذه البلدان تستعد لمعضلات اقتصادية أكثر خطورة قد تواجهها في المستقبل.
وبقي منتجو النفط الذين لديهم عملاء في المقام الأول في آسيا بدلًا من أوروبا، على سبيل المثال، الكويت والإمارات، في منأىً حتى الآن عن التأثير الاقتصادي لهجمات الحوثيين.
بينما تعتقد السعودية أن جهودها الدبلوماسية المستمرة مع الحوثيين قد حمت صادراتها من النفط الخام من الهجمات.
ولكي تكون في الجانب الآمن، قامت المملكة أيضًا بزيادة مبيعات النفط بشكل كبير من موانئها الغربية لتجنب الوقوع في مرمى النيران في جنوب البحر الأحمر.
وفي تطور غير متوقع، استفادت السعودية اقتصاديًا أيضًا من الارتفاع الأخير في أسعار النفط، في أعقاب العمليات العسكرية الغربية في اليمن.
وبالنسبة لعدد من أعضاء «أوبك+» في الخليج، لا يشكل الحوثيون التهديد الأكبر لاقتصاداتهم ولا تزال هذه البلدان تتصارع مع التداعيات الاقتصادية وعدم الاستقرار في أسواق النفط والغاز بسبب جائحة كورونا، والغزو الروسي لأوكرانيا، والعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة.
وأبقت هذه العوامل مجتمعة الأسواق في حالة من التوتر، وعلى هذا فإن أزمة البحر الأحمر ليست سوى عنصر واحد من المشهد الأكبر الذي يساهم في عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي.
يشكل التحول في سوق الطاقة العالمي الذي يهدف إلى الحدّ من تغير المناخ خطرًا أكبر بكثير على دول الخليج التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على عائدات النفط والغاز، وينصب تركيزها على إطلاق برامج طموحة تهدف في نهاية المطاف إلى إزالة الكربون من إنتاجها من النفط والبتروكيماويات وتطوير مصادر الطاقة المستدامة وبناء قطاعاتها السياحية.
أمر ثالث تنظر إليه دول الخليج بمستوى من التعالي يمكن أن نستشفه من تعاطيها مع الملف، فمنذ أن بدأ التحالف الذي تقوده السعودية تدخله العسكري في اليمن عام 2015، واجهت الرياض وأبوظبي انتقادات مستمرة من السياسيين الديمقراطيين الأمريكيين.
وتنظر العواصم الخليجية إلى الأحداث الحالية على أنها نتيجة مباشرة لتجاهل الدول الغربية تحذيراتها المتكررة بشأن التهديد الذي يشكله الحوثيون، فهم يعتقدون أن الولايات المتحدة فشلت في توفير الحماية الأمنية الكافية لهم.
وبالتالي، لا ترى السعودية والإمارات قيمة كبيرة في المخاطرة بقنوات اتصالها مع الحوثيين من أجل الولايات المتحدة، وأصبح هذا الموقف واضحًا من خلال الصعوبات التي واجهتها الولايات المتحدة في حشد الدول للانضمام إلى عملية «حارس الرخاء»، وهو تحالف بحري بقيادة الولايات المتحدة شكل مؤخرًا لحماية الشحن في البحر الأحمر.
والجدير بالذكر أن البحرين كانت الدولة العربية الوحيدة التي شاركت رسميًا في المبادرة.
وبشكل عام، يُنظر إلى أزمة البحر الأحمر على أنها خطر قصير المدى بالنسبة لعواصم دول الخليج العربية، ويطغى عليها تحدٍ أكبر، ألا وهو التحول إلى الطاقة المتجددة.
وفي الرد على ذلك، تنتهج هذه البلدان استراتيجية مزدوجة، فهم يراهنون على أن يكونوا آخر مصدري الوقود الأحفوري المتبقين في اللعبة، في حين يقومون أيضًا بوضع خطط طموحة لتسهيل التحول إلى الطاقة المتجددة بشكل أفضل.
ومع ذلك، إذا استمرت التوترات الإقليمية في التصاعد وتسببت ضربات الحوثيين في تعطيل سلاسل التوريد العالمية بشكل أكبر، قد تحتاج دول الخليج إلى إعادة النظر في استراتيجياتها.
وحتى الآن، تمتعت هذه البلدان بالحماية من الهجمات المباشرة التي تشنها المجموعة اليمنية، لكن ليس هناك ما يضمن أنها لن تُمس إذا خرجت التوترات عن السيطرة.
ومثل هذا السيناريو يمكن أن يجبر عواصم دول الخليج العربية في نهاية المطاف على تعديل استراتيجياتها طويلة المدى.





















