كتب: محمود صبري
لم تعد صناعة المحتوى الرقمي تقتصر على المقاطع الساخرة أو تقديم المعلومات بصورة مبسطة؛ فمع اتساع تأثير المنصات الاجتماعية، برز جيل جديد من صناع المحتوى يحاول الاقتراب من الأسئلة الأكثر ارتباطًا بحياة الناس، وطرحها من زوايا تتجاوز النقاشات العابرة.
من هذا المنطلق، تخوض صانعة المحتوى إيمان يحيى تجربة جديدة من خلال برنامج «هو ليه»، الذي تقدمه عبر «العربي تيوب»، لتضع عددًا من الظواهر الاجتماعية اليومية أمام الجمهور، محاولة البحث عن الأسباب التي تقف خلفها، بدلًا من الاكتفاء برصد نتائجها.
وتأتي التجربة امتدادًا لاهتمام يحيى بالمحتوى الذي يجمع بين المعرفة والنقاش المجتمعي؛ فقد استهلت حضورها على منصات التواصل بتناول المغالطات المنطقية، قبل أن تكتسب شهرة أوسع من خلال محتوى القراءة وترشيحات الكتب.
وفي أولى حلقات «هو ليه»، اختارت يحيى واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بالحياة اليومية في المجتمع المصري، وهي الزواج، وما يحيط به من تكاليف وضغوط وتوقعات، وما قد ينتهي إليه الأمر في بعض الحالات إلى الانفصال، الذي يتحول أحيانًا إلى معارك مشتعلة بين الطرفين، لا يعلم أحد إلى أين يمكن أن تصل.
حين لا ينتهي الزواج عند لحظة الطلاق
تستهل القصة من نقطة تبدو في ظاهرها بسيطة: زوجان قررا الانفصال. لكن الحلقة سرعان ما تنتقل إلى ما هو أبعد من قرار الطلاق نفسه، إذ تطرح إيمان سؤالًا أكثر إلحاحًا: كيف يتحول الانفصال من نهاية لعلاقة لم تعد قابلة للاستمرار إلى صراع طويل تتداخل فيه العائلة والقانون والمال ومنصات التواصل الاجتماعي؟
وتتوغل الحلقة نحو النظر إلى أن الطلاق، في بعض الحالات، لم يعد مجرد إجراء ينهي علاقة زوجية، وإنما يتحول إلى مساحة لتصفية الحسابات. ومع انتقال الخلاف من المنزل إلى المجال العام، تصبح المنصات الرقمية جزءًا أصيلًا من المشهد، ويصبح كل طرف قادرًا على تقديم روايته أمام جمهور واسع، بما قد يزيد من حدة المواجهة بدلًا من احتوائها.
ولا تتعامل إيمان مع الطلاق باعتباره أصل المشكلة، وإنما باعتباره نتيجة أخيرة لسلسلة طويلة من الاختيارات والتوقعات والضغوط التي بدأت قبل الزواج بوقت طويل. فمن وجهة نظرها، قد تبدأ المعضلات الزوجية قبل أن تبدأ الحياة الزوجية نفسها.
ومن أبرز الأفكار التي تطرحها الحلقة أن كثيرًا من الأزمات الزوجية لا تنشأ بالضرورة بسبب حدث واحد كبير، وإنما نتيجة غياب المعرفة الحقيقية بالشريك، وعدم امتلاك الطرفين الأدوات اللازمة لإدارة الاختلاف.
وتستند يحيى في هذا الجزء إلى أفكار عالم النفس «جون جوتمان» حول العلاقات الزوجية، لتشير إلى أن نجاح العلاقة لا يعني غياب الخلافات، بقدر ما يعني امتلاك القدرة على التعامل معها. فالخلاف جزء طبيعي من أي علاقة، لكن طريقة إدارته هي التي تحدد ما إذا كان سيصبح فرصة للفهم أم خطوة جديدة نحو الانهيار.
ومن هنا تكمن أهمية الاستماع والتفاوض والقدرة على إصلاح الأخطاء قبل تراكمها، والأهم الحفاظ على قدر من الاحترام حتى في لحظات الاختلاف. فالمشكلة، وفق هذا الطرح، ليست في أن الزوجين يختلفان، وإنما في أن يدخلا الحياة المشتركة من دون أن يعرف كل منهما كيف يتعامل مع اختلاف الآخر.
بعد الانفصال.. فاتورة لا تُدفع بالتساوي
إذا كان الطلاق يمثل نهاية العلاقة بالنسبة إلى الطرفين، فإن تبعاته الاقتصادية والاجتماعية لا تقع بالضرورة عليهما بالقدر نفسه. وهنا تتوقف الحلقة أمام وضع المرأة بعد الانفصال، خاصة عندما تكون مسؤولة عن رعاية أطفال، وتطرح الآثار الاقتصادية التي يمكن أن تترتب على خروجها من علاقة زوجية امتدت لسنوات.
وتستدعي يحيى كتاب «الوردية الثانية» لعالمة الاجتماع «أرلي هوكشيلد»، في محاولة لإعادة النظر في قيمة العمل غير المدفوع داخل المنزل؛ ذلك العمل الذي تقوم به المرأة يوميًا من رعاية الأبناء وإدارة شؤون المنزل، لكنه لا يظهر بالضرورة في الحسابات المالية التقليدية.
وتصبح المفارقة أكثر وضوحًا عند انتهاء الزواج؛ فبعد سنوات من العمل والرعاية والمساهمة في بناء الأسرة، قد لا يتحول هذا الجهد تلقائيًا إلى أمان اقتصادي مستقل بعد الانفصال.
ومن هذه الزاوية، لا تقدم الحلقة الطلاق باعتباره قرارًا شخصيًا فقط، وإنما باعتباره أيضًا لحظة تكشف حجم الفجوة الاقتصادية التي قد تكون مختبئة داخل العلاقة منذ سنوات. لكن السؤال الأهم الذي تطرحه الحلقة ربما يأتي قبل الزواج نفسه: لماذا أصبح الدخول إلى الحياة الزوجية مرتبطًا بهذا الكم من الالتزامات المالية؟
تنتقد يحيى ما يمكن وصفه بثقافة «الاستعراض الطبقي»، حيث لا تصبح تجهيزات الزواج مرتبطة بالاحتياج الفعلي للعروسين بقدر ارتباطها بما يستطيع كل طرف أن يقدمه أمام الآخرين. وهكذا تتحول الشقة والأثاث والأجهزة والمصروفات المختلفة إلى مؤشرات على المكانة الاجتماعية، وتصبح المقارنة مع الآخرين جزءًا من عملية اتخاذ القرار.
وتبرز الأزمة في أن هذا الاستعراض لا ينتهي بانتهاء حفل الزفاف. فكل ما يتم إنفاقه قبل الزواج قد يتحول إلى التزام مالي يرافق الزوجين منذ اليوم الأول، وقد يدفعهما إلى الاستدانة أو الدخول في ترتيبات مالية تفوق قدرتهما على الاحتمال.
ومن هنا تقلب الحلقة السؤال التقليدي رأسًا على عقب: هل يمكن أن يكون الإنفاق المبالغ فيه على الزواج أحد العوامل التي تضعف الحياة الزوجية نفسها؟
وتطرح إيمان الفكرة بوضوح: البيت لا يصبح أكثر استقرارًا كلما زادت قيمته المادية، كما أن كثرة المقتنيات لا تضمن استمرار العلاقة. وفي المقابل، قد تبدأ الحياة الزوجية محملة بديون والتزامات تجعل الطرفين يواجهان ضغوطًا اقتصادية منذ اللحظة الأولى.
من «الكد والسعاية» إلى عقد أكثر وضوحًا
لا تتوقف الحلقة عند التشخيص، وإنما تحاول الانتقال إلى مساحة الحلول، إذ تطرح صانعة المحتوى مجموعة من الأفكار التي تستهدف إعادة تنظيم العلاقة المالية والقانونية بين الزوجين، من بينها الاستفادة بصورة أكبر من الشروط التي يمكن تضمينها في عقد الزواج، بحيث تكون الحقوق والالتزامات أكثر وضوحًا منذ البداية.
كما تتناول مفهوم «الكد والسعاية»، باعتباره أحد المداخل التراثية التي يمكن من خلالها التفكير في مساهمة المرأة في تكوين الثروة خلال سنوات الزواج، إلى جانب الدعوة إلى تطوير آليات تسوية النزاعات الأسرية، بحيث لا تتحول الخلافات إلى معارك قضائية طويلة تستنزف الطرفين.
وتتطرق الحلقة كذلك إلى مسألة توثيق الطلاق، بما يضمن ألا تجد المرأة نفسها في وضع قانوني واجتماعي غامض، فضلًا عن الحاجة إلى مواجهة ثقافة الإسراف التي تضع الأسر أمام التزامات مالية قد لا تكون قادرة على تحملها.
السؤال الحقيقي ليس: لماذا يطلق الناس؟
في النهاية، تبدو قيمة الحلقة الأولى من «هو ليه» في أنها لا تتعامل مع الطلاق باعتباره خبرًا منفصلًا عن سياقه، ولا مع الزواج باعتباره مجرد احتفال، وإنما تحاول قراءة العلاقة الزوجية بصورة أكثر شمولًا: كيف نختار شريك الحياة؟ كيف نستعد للزواج؟ كيف نتعامل مع المال؟ ماذا يحدث عندما تختلف التوقعات؟ ومن يتحمل تكلفة الانفصال؟
وهنا يصبح عنوان البرنامج «هو ليه» أكثر من مجرد اسم؛ فالحلقة لا تكتفي بالسؤال عن «ماذا حدث؟»، وإنما تحاول الوصول إلى السؤال الأصعب: «لماذا حدث؟».
وفي هذا السياق، تبدو الرسالة التي تخرج بها الحلقة أبعد من التحذير من الزواج أو التخويف من الطلاق.
فالقضية، كما تطرحها يحيى، تتعلق بإعادة تعريف العلاقة الزوجية نفسها؛ من مشروع لإثبات المكانة الاجتماعية إلى شراكة تقوم على معرفة حقيقية بالطرف الآخر، وإدارة واعية للمال والخلاف، وقدرة على بناء حياة تتناسب مع الإمكانات الفعلية، لا مع الصورة التي يرغب الآخرون في رؤيتها، فالزواج، في النهاية، لا يحتاج إلى بيت يبدو مثاليًا أمام الناس بقدر ما يحتاج إلى بيت يستطيع أصحابه أن يعيشوا فيه بسلام.





















