وسط أزقة البلدة القديمة بالقدس، حيث تختلط رائحة التاريخ بعطر الأديان، تظل كنيسة القيامة واحدة من أعظم رموز الديانات المسيحية، ومحط أنظار الحجاج من مختلف بقاع العالم. غير أن خلف جدران الكنيسة العريقة، ترقد قصة مدهشة لأمانة فريدة من نوعها، يتوارثها المسلمون منذ أكثر من 800 عام، مفادها أن مفتاح الكنيسة العريقة بيد عائلة مسلمة: “آل جودة الحسيني”.

في قلب هذه القصة، يبرز اسم أديب جودة الحسيني، أمين مفتاح كنيسة القيامة الحالي، المسلم المقدسي الذي ورث هذه الأمانة الثقيلة من والده، كما ورثها الآباء عن الأجداد منذ عهد القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي عام 1187 ميلادية.
مفتاح من زمن المجد
المفتاح الذي يحمله أديب ليس مجرد قطعة معدنية، بل شاهد على قرون من التسامح والعيش المشترك. “المفتاح مصنوع من الحديد الصلب، طوله حوالي 30 سم، ووزنه 250 جرامًا”، يروي أديب. “لقد تسلمنا من صلاح الدين مفتاحين، أحدهما كُسر جزء منه قبل حوالي 500 سنة، وما زلت أحتفظ به، أما الآخر، فهو ما زال صالحًا للاستخدام حتى يومنا هذا”.
أمانة تتحدى الزمن
العديد من الروايات تتناقل تسليم مفاتيح الكنيسة منذ عهد عمر بن الخطاب، إلا أن أديب يفنّد هذه الفرضية قائلاً: “عمر بن الخطاب تسلّم مفاتيح القدس وليس الكنيسة. القصة الحقيقية بدأت مع صلاح الدين بعد تحرير القدس من الصليبيين. نمتلك 165 فرمانًا سلطانيًا من 28 سلطانًا حكموا القدس، توثق تاريخ هذه الأمانة”.

طقوس مقدسية.. ومواكب احتفالية
في الأعياد والمناسبات الدينية، تتجسد العلاقة الوثيقة بين عائلة “جودة” والطوائف المسيحية. ففي خميس العهد، يتوجه أديب إلى دير الفرنسيسكان حيث يُسلم المفتاح، ثم ينطلق موكب مهيب برفقة الحارس والكهنة إلى الكنيسة، وسط توافد الحجاج. ويكرر الطقس ذاته مع الروم الأرثوذكس في “الجمعة الحزينة”، ثم مع الأرمن في “سبت النور”.
ويشرح أديب بدقة الطقوس التي تسبق “ظهور النور المقدس” ليلة عيد القيامة، مؤكدًا: “يُفتش القبر في منتصف النهار للتأكد من خلوه من أي شعلة، ويُختم بالشمع المقدس الذي أضع عليه ختمي الشخصي، ثم تبدأ مراسم ظهور النور أمام آلاف الحجاج”.
ترميم مقمورة القبر.. ملحمة معمارية
وحول أعمال ترميم مقمورة القبر المقدس، يشير إلى أن الترميم استغرق عامًا كاملًا عقب عيد الفصح المجيد عام 2016، برعاية العاهل الأردني، مشيدًا بجهود الطوائف المسيحية في الحفاظ على هذا التراث الروحي الفريد.

يفتخر أديب بلقاءاته مع أربعة بابوات خلال خدمته: “البابا بنديكت السادس عشر، والبابا يوحنا بولس الثاني، والبابا فرنسيس، وأخيرًا البابا تواضروس الثاني”، مؤكدًا أن جميعهم أثنوا على أمانة العائلة واحترامها للكنيسة.
التحديات.. والستاتيكو الضامن للحقوق
في ظل تعقيدات المشهد السياسي بالقدس، يؤكد أديب أن الطوائف المسيحية ما زالت تحترم “الستاتيكو”، العهد العثماني الصادر عام 1852 والذي ينظم ملكية الطوائف المختلفة في الكنيسة، قائلًا: “الإسرائيليون لم يتدخلوا لتغييره حتى الآن، وهو ما يضمن حقوق كل طائفة”.
لكن لا يخفي أديب قلقه من ملف دير السلطان التابع للأقباط الأرثوذكس، معتبرًا أن الأزمة “ذات طابع سياسي”، مضيفًا: “ما زال الأقباط يناضلون لاسترداد حقهم من الأحباش الذين انتزعوا الدير بدعم إسرائيلي”.
علاقة متينة مع الأقباط
رغم الأزمات، يشيد أديب بالعلاقات الطيبة التي تجمعه بأسقف الأقباط في القدس، الأنبا أنطونيوس، قائلًا: “كنت أول من استقبله بعد عودته من العراق، وهو رجل نبيل زار الرعايا وسط الحرب، وهذا يعكس إنسانيته واهتمامه بشعبه”.
ملايين الحجاج.. ومشاعر لا تُنسى
وعن الحجيج الذين يقصدون الأراضي المقدسة سنويًا، يشير أديب إلى تدفق آلاف الحجاج من روسيا، رومانيا، الأرمن، السريان، الأردن، وسائر الدول العربية، مؤكداً أن “بيت المقدس لا ينقطع عنه الزوار، لأنه مهبط الرسالات ومركز الروحانية العالمية”.
قصة عائلة “جودة الحسيني” ليست فقط درسًا في التسامح، بل أيضًا مرآة تعكس قدرة الإنسان على التعايش رغم الخلافات، واحترام الأديان، وحفظ الأمانة. في القدس، تتقاطع العقائد، لكن تبقى إنسانية الشعوب أقوى من كل حواجز التاريخ والسياسة
اقرأ أيضا: أولها شم النسيم.. إجازات رسمية في 2025





















