يعد مصطفى النحاس باشا رمزا سياسيا محوريا في تاريخ الوطن حيث ارتبط اسمه بالعديد من التحولات التاريخية الحاسمة منذ بدايات القرن العشرين. ولد مصطفى محمد سالم النحاس في 15 يونيو 1876 بمدينة سمنود التابعة لمحافظة الغربية وسط أسرة ريفية بسيطة. كان والده الشيخ محمد سالم النحاس يعمل بتجارة الأخشاب ويمتلك مغلقا خاصا به وكان حافظا لكتاب الله ومتمسكا بتعاليمه. تلقى مصطفى النحاس تعليمه الأولي في الكتاب حيث أتم حفظ القرآن الكريم وهو في العاشرة من عمره. انتقل بعد ذلك للتدريب في مكتب التلغراف بمدينة سمنود على يد صديق والده عبد الحميد أفندي حافظ لاكتساب مهارات جديدة. ألحقه والده بالمدرسة الناصرية ثم انتقل إلى المدرسة الخديوية الثانوية قبل أن يلتحق بمدرسة الحقوق التي تخرج فيها ليبدأ مسيرة مهنية طويلة في السلك القضائي. عين مصطفى النحاس باشا قاضيا بالمحاكم الأهلية وخدم في هذا القطاع لسنوات طويلة حتى وصل إلى مرتبة القضاء في عشرينيات القرن الماضي.
بدايات العمل الوطني ورحلة الكفاح السياسي
شهدت الحياة السياسية لمصطفى النحاس باشا تحولا جذريا تأثرا بالمبادئ التي أعلنها الرئيس الأمريكي ويلسون بعد الحرب العالمية الأولى حول حق الشعوب في تقرير مصيرها. بدأ مصطفى النحاس باشا التفاعل مع النخب السياسية عبر مكتب المحامي أحمد بك عبد اللطيف الذي كان من أبرز المؤيدين لفكر الحزب الوطني في ذلك الوقت. سعت المجموعة إلى إيصال صوت الوطن للعالم وبدأت في التواصل مع سعد زغلول نائب رئيس الجمعية الشرعية حينها لتحقيق هذا الهدف. تطوع علي ماهر للتواصل مع عبد العزيز فهمي لإقناعه بالعمل تحت قيادة سعد زغلول لكنه لم ينجح في مهمته في البداية. قرر مصطفى النحاس باشا التدخل بنفسه والتقى عبد العزيز فهمي الذي وافق أخيرا على انضمام المجموعة للعمل ضمن وفد يمثل كافة فصائل المجتمع المصري. أصبح مصطفى النحاس باشا الساعد الأيمن لسعد زغلول وشارك بفعالية في الحركة الوطنية عام 1919. عين في يوليو 1920 سكرتيرا للجنة الوفد المركزية في القاهرة عقب اعتقال عبد الرحمن فهمي. واصل مصطفى النحاس باشا نشاطه السياسي ورافق سعد زغلول إلى باريس ولندن ليعرض رأي الشعب في مشروع ملنر. تعرض مصطفى النحاس باشا للنفي مع سعد زغلول ومكرم عبيد وآخرين عام 1921 في خطوة استهدفت إضعاف الحركة الوطنية آنذاك.
صدارة المشهد السياسي وتحديات رئاسة الحكومة
تولى مصطفى النحاس باشا رئاسة الوفد ورئاسة البرلمان الائتلافي خلفا لسعد زغلول بعد وفاته عام 1927. قاد مصطفى النحاس باشا مسيرة الوزارات بشكل متكرر حيث تولى رئاسة مجلس الوزراء 7 مرات خلال الفترة الممتدة من عام 1928 وحتى عام 1952. ترأس مصطفى النحاس باشا وزارته الأولى عام 1928 ثم شكل وزارته الثانية عام 1930 التي شهدت إجراء مفاوضات مع هندرسون وزير الخارجية البريطاني. تولى رئاسة الوزارة في فترات متلاحقة بين عامي 1936 و1937 ثم بين عامي 1942 و1944 وأخيرا بين عامي 1950 و1952. استأثر مصطفى النحاس باشا بأربع إقالات من أصل 5 إقالات تعرض لها رؤساء الوزارات منذ نشأة الوزارات عام 1878 وحتى قيام ثورة 23 يوليو 1952. قاد مصطفى النحاس باشا الوفد المصري في المفاوضات التي أسفرت عن عقد معاهدة 1936 مع القوات البريطانية لصيانة حقوق الوطن. أقدم مصطفى النحاس باشا في عام 1951 على إلغاء المعاهدة بعد استنفاذ أغراضها معلنا الكفاح المسلح ضد القوات البريطانية في منطقة القناة. واجه مصطفى النحاس باشا نهاية حقبته النضالية عقب حريق القاهرة في 26 يناير 1952 الذي غير مسار الأحداث. ظل مصطفى النحاس باشا رئيسا لحزب الوفد منذ عام 1927 وحتى عام 1952 حين تقرر إلغاء الأحزاب السياسية. خضع مصطفى النحاس باشا للعزل السياسي بعد حل الأحزاب عام 1953 وقضى بقية سنوات عمره بعيدا عن العمل السياسي حتى وفاته في 23 أغسطس 1965 عن عمر يناهز 86 عاما.






















