تحولت القنوات الفضائية، التي تتصل بالمصادر وتعرض «أسعار برامجها» ، من مجرد ممارسات فردية إلى ظاهرة واضحة داخل سوق الإعلام، وباتت تثير تساؤلات حول مستقبل المهنة، وتأثير هذا الأسلوب على الجمهور والرأي العام.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه المشاهد محتوى جادًّا يعكس قضايا المجتمع، ظهرت فئة من المنابر الفضائية التي تتعامل مع الضيف باعتباره “زبونًا” يدفع مقابل الظهور، لا باعتباره صاحب رأي أو قيمة يضيف للمشهد الإعلامي.
هذه الظاهرة عادت بقوة إلى واجهة النقاش بعد الجدل الدائر حول قنوات الـ”ش” والـ”ح” والـ”ص، ج»، وما تبعه من روايات كثيرة سردها صحفيون وخبراء وسياسيون تلقّوا اتصالات من أشخاص يعرّفون أنفسهم بأنهم “مندوبو برامج”، يعرضون قوائم أسعار للظهور، كأنها باقات إعلانية أو عروض ترويجية.
القنوات التي تتصل بالمصادر وتعرض «أسعار برامجها» ظهرت بوضوح حين نشر أحد الصحفيين موقفًا شخصيًا أثار ضجة كبيرة.
يقول إن فتاة تواصلت معه وقدّمت نفسها باعتبارها من فريق قناة الـ”ش”، وأعربت عن رغبتها في التعاون. في البداية رحّب بالأمر ظنًا أن القناة ترغب في استضافته في برنامج سياسي لمناقشة قضايا إقليمية، لكنه فوجئ بأنها ترسل له قائمة بأسعار الظهور في برامج القناة.
الرجل تفاجأ مرتين: الأولى من فكرة أن الظهور أصبح بمقابل مالي مباشر، والثانية من ارتفاع الأسعار بطريقة وصفها بـ”غير المعقولة”.
فبحسب القائمة التي تلقّاها:
• لظهور لمدة ربع ساعة في برنامج شاي الياسمين الذي تقدّمه ياسمين الخطيب يبلغ 25 ألف جنيه، أي ألف جنيه عن كل دقيقة.
• ولو أراد الضيف زيادة الوقت إلى ثلث ساعة يصبح السعر 30 ألف جنيه، والبرنامج لديه ما يسمى Minimum Charge بقيمة 25 ألف جنيه.
• برنامج مئة فل وصحة للدكتورة هبة يوسف: الربع ساعة 10 آلاف جنيه، والثلث ساعة 15 ألف جنيه.
• برنامج الشفرة مع علا شوشة: الربع ساعة 15 ألف جنيه.
• برنامج علامة استفهام مع مصعب العباسي: 15 ألف جنيه للظهور.
وبعدما قدّمت الموظفة قائمة الأسعار، اعتذر الصحفي بكل احترام، مؤكدًا أنه لا يحتاج لدفع أموال ليُستضاف في قناة محلية، وأنه يظهر ضيفًا في قنوات عربية ودولية كبرى دون أي مقابل مادي.
هذه الواقعة لم تكن الأولى، لكنها كانت واحدة من أكثر القصص تداولًا، لأنها كشفت جانبًا خطيرًا من طريقة عمل بعض القنوات خلال الفترة الأخيرة.

تسعير البرامج التلفزيونية خطر على مهنية الإعلام ويفقده ثقة الجمهور
وفي تصريحات خاصة لـ«الحرية»، انتقدت الإعلامية مدى سعيد ظاهرة ما وصفته بـ«تسعير البرامج التلفزيونية»، بعدما باتت بعض الجهات الإعلامية تتواصل مع الضيوف أو المصادر وتعرض أسعارًا نظير الظهور أو المشاركة.
وأكدت مدى سعيد أن هذه الممارسات تمثل تحولًا خطيرًا في طبيعة العمل الإعلامي، قائلة إن «الإعلام ليس سلعة تُباع وتُشترى حسب هوى كل شخص أو قناة؛ الإعلام رسالة قبل أن يكون منتجًا».
وأوضحت أن التعامل مع الضيوف بمنطق «البيع والشراء» يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في أساسه، ويحوِّل المنصات الإعلامية من مساحة للنقاش الحر والمعرفة إلى مساحة «مدفوعة» تفقد أهم شروطها المهنية.
وأضافت في تصريحاتها لـ«الحرية» أن الأخطر من ذلك هو انعكاس هذه الظاهرة على ثقة الجمهور، قائلة: «عندما تبدأ كل الآراء وكل الأفكار في الظهور بناءً على مقابل مادي، يصبح الجمهور في حالة شك دائم: هل ما قيل مهم فعلًا؟ أم لأنه مدفوع؟».
وشددت مدى سعيد على أن المهنية الحقيقية تستند إلى استضافة أصحاب الخبرة والكفاءة، لا أصحاب الميزانيات، مؤكدة أن المعلومات المحايدة والموضوعية لا يمكن أن تتحول إلى مجرد «مساحة إعلانية» مموّهة في صورة لقاء إعلامي.
ورأت أن ما يحتاجه الإعلام اليوم لتصحيح المسار هو العودة إلى قواعده الأساسية القائمة على الشفافية والانتقاء الموضوعي واحترام عقل الجمهور قبل أي مكسب مادي.
واختتمت تصريحاتها مؤكدة أن «من يكسب ثقة الناس مرة واحدة يستطيع البناء عليها، أما من يخسرها فلن يتمكن من استعادتها مهما أنفق».
قنوات تعرض أسعارها “تليفونيا”.. بداية الحكاية.























