عدت منذ عدة أيام من زيارة عمل قصيرة لمدينة بورصة إحدى أهم المدن الصناعية التركية، إستغرقت الزيارة أيام قليلة بعد غياب عن السفر منذ العام الماضى.
استمتعت بجانب العمل إلى الاستماع لعدد من الأصدقاء الأتراك حول تجربة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التى فاز فيها أردوغان بولاية رئاسية ثالثة، و التى تأتى بالتزامن مع عودة العلاقات المصرية التركية والتطبيع شبه كامل للعلاقات، مع تواتر أنباء عن دعوة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان للرئيس عبدالفتاح السيسى إلى لقاء قد يجمعهما قريبا فى القاهرة أو أنقرة.
الأصدقاء الأتراك الذين التقيتهم رغم اختلاف طبقاتهم الاجتماعية وقناعتهم السياسية اتفقوا على رفضهم لأردوغان وسياساته، وتصويتهم للمنافس كمال كليجدار أوغلو، إلا أنهم اتفقوا جميعًا على احترام النتيجة التى انتهت بفوز أردوغان بى ٥٢٪ مقابل ٤٨٪ فى جولة إعادة تعدت فيها نسبة المشاركة ٨٠ % ممن لهم حق التصويت.
الملاحظ أن هناك حالة من الرضا العام لدى الجميع عن نتيجة الانتخابات، لا تشكيك فى نتائج ولا شبهات، ربما هى المرة الأولى التى استمع لنفس الأصدقاء التى تجمعنى معهم علاقات عمل وصداقة ممتدة منذ أكثر من عشر سنوات، شهدت خلالها العديد من الأحداث الهامة فى تركيا مثل الانقلاب العسكرى، والانتخابات (الرئاسية والبرلمانية والبلدية) و التى كانت دائما مسار جدل حول شفافيتها ونزاهتها ولعل الرسالة الأبرز هنا هو الوعى السياسى الكبير للشعب التركى التي جسدتها نسبة المشاركة الكبيرة والقبول والرضا بالنتائج فى انتخابات تاريخية صنعت وعيًا سياسيًا فارقًا لديهم.
الكل أجمع أيضا على ضعف كمال كليجدار أوغلو، الرجل الذى يرأس حزب الشعب الجمهوري منذ عام ٢٠١٠ حتى الآن، وأن ترشح شخصيات أخرى كان من الممكن أن يحسم المعركة من الجولة الأولى ويسقط أردوغان، واتفقوا على قوة أكرم أمام أوغلو عمدة اسطنبول الذى تم انتخابه فى عام ٢٠١٩ و أحدث وقتها زلزالًا سياسيًا، و تنبأ الجميع وقتها بأنه مرشح المعارضة ٢٠٢٣، إلا أنه يواجه حربًا من النظام الحاكم منذ فوزه ببلدية اسطنبول، و حكم عليه بالسجن فى العام الماضى واستأنف إلا أن ذلك قد قلل من فرصة خوضه للانتخابات الأخيرة،و عزز فرص كليجدار الذى يواجه الآن اتهامات بالدكتاتورية ودعوات العديد من أعضاء حزبه بقيادة أكرم إمام إلى الاستقالة فورًا، و إعادة تنظيم الحزب مع احتمالية رئاسة أكرم للحزب مع استعداد الحزب لانتخابات البلدية المزمع عقدها فى ٢٠٢٤.
وأتوقع شخصيًا أن يكون أكرم إمام أوغلو هو المرشح الأقوى فى انتخابات الرئاسة التركية ٢٠٢٨.
العجيب فى هذه الانتخابات أن جميع المرشحين (أردوغان، كليجدار وسنان واوغان) اتفقوا جميعا ضد اللاجئين السوريين، وأصبحت قضية اللاجئين على رأس الأچندة السياسية التركية، أردوغان الذى كان قبل الجولة الأولى من الانتخابات يؤكد أنه لن يعيد السوريين لبلادهم؛ عاد قبل جولة الإعادة للتحدث عن نجاح عودة ما يقرب من نصف مليون سورى لاجئ بالفعل، وتعهده بعودة مليون لاجئ من إجمالي ٤ ملايين سورى، و عودة الجميع خلال فترة زمنيه لم يذكرها.
سنان أوغان المرشح الرئاسى القومى المتشدد والمناهض للاجئين الذى حصل على ٥ % فى الجولة الاولى قال: سنرحل السوريين فى أسرع وقت و تعهد كليجدار بنفس الأمر إلا أن أصوات مؤيدى أوغان ذهبت إلى أردوغان فى جولة الإعادة رغم أنه كان منطقيًا أن يتحالف أوغان القومى اليمينى المتشدد مع كليجدار أوغلو.
العجيب الآخر فى هذه الانتخابات أن تسع مدن من إجمالي ١١ من المناطق المنكوبة والمتضررة من الزلزال والتى كان منطقيًا أن تصوت لصالح كليجدار صوتت لأردوغان، باستثناء مدينتى ديار بكر وأضنة، ذات البعد الكردى استطاع أردوغان عبر حزبه وقياداته الشعبية النزول لهذه المناطق وإدارة عملية المعاونة والمساعدة والوعود بمساكن بديلة وحصد أصواتهم.
لا أنكر أنني طوال الاستماع لتجربتهم، شعرت بالشوق للديمقراطية، وأحسست بالأسى لما نشهده فى وطننا ، ولم يغب عن ذهني مشهد تحطيم صناديق الاقتراع التى تمت على الهواء من بلطجية معروفين فى الجمعية العمومية غير العادية لنقابة المهندسين، دون محاسبة رغم مرور أكثر من ثلاثة أسابيع فى أكبر تجمع لجمعية عمومية شهدتها نقابة المهندسين منذ عشرات السنين، فى مشهد ذكر الجميع بحشود المصريين أمام اللجان الانتخابية عقب ثورة ٢٥ يناير.
تركيا و مصر يعانون إرتفاع التضخم، وانخفاض العملة وغلاء المعيشة، إلا أن تركيا اختارت طريق الديمقراطية والاحتكام للصندوق لاستكمال دولتها المدنية الحديثة، وحرصت على مشاركة أوسع للشعب التركى فى الانتخابات ووصلت بتشجيعها للأتراك المسافرين عبر مطاراتها للتصويت داخل لجان خصصت لذلك فيما تسمى لجان المنافذ الحدودية، ولا زالت مصر في الانتظار!





















