يبدو أن قانون الإجراءات الجنائية كان يحتاج إلى إجراءات جنائية قبل أن يحتاج إلى إجراءات تنفيذية!
فبعد أن خرج القانون رقم 174 لسنة 2025 إلى النور، وبعد عام كامل تقريبًا من إصداره، وبعد أن كان مقررًا أن يبدأ العمل به في الأول من أكتوبر 2026، اكتشفنا ـ قبل ساعات من الموعد ـ أن المنظومة التي يفترض أن تطبق القانون ليست جاهزة بعد!
فماذا حدث؟
الحكومة، بحسب ما أُعلن أمام مجلس النواب، طلبت إتاحة عام إضافي لاستكمال التجهيزات الفنية والتنظيمية والبشرية، واستكمال منظومة الميكنة وتجهيز المحاكم وقاعات التحقيق، وإجراء الاختبارات اللازمة للأنظمة الجديدة.
وبالفعل، وافق مجلس النواب في جلسة غير عادية يوم 30 سبتمبر 2026 على تأجيل بدء العمل بالقانون إلى الأول من أكتوبر 2027، ثم صدر القانون رقم 160 لسنة 2026 بتأجيل النفاذ.
وهنا لا بد أن نتوقف قليلًا…
كيف يصدر قانون بهذا الحجم، ثم نكتشف بعد عام من صدوره أن الدولة لم تكتمل جاهزيتها لتطبيقه؟
لسنا نتحدث عن قانون ينظم موقف سيارات أو يحدد رسوم استخراج شهادة.
نحن أمام قانون الإجراءات الجنائية؛ القانون الذي تتحرك من خلاله الدعوى الجنائية منذ لحظة الاستدلال وحتى التحقيق والمحاكمة والطعن وتنفيذ الأحكام، والذي يتضمن ـ وفق ما أُعلن ـ مستحدثات تتعلق بالإعلان الإلكتروني، والتحقيق والمحاكمة عن بُعد، والمنع من السفر، وقوائم ترقب الوصول، وضمانات الدفاع وغيرها.
ومع ذلك، يبدو أن «الجاهزية» كانت تسير في اتجاه، بينما كان موعد النفاذ يسير في اتجاه آخر!
الأغرب أن التأجيل لم يأتِ في بداية الطريق، وإنما جاء قبل ساعات من لحظة التطبيق.
بل إن جلسة مجلس النواب التي حسمت التأجيل انعقدت في اليوم السابق مباشرة للموعد الذي كان مقررًا لبدء العمل بالقانون، وهو ما أثار بالفعل انتقادات برلمانية بشأن تأخر إعلان عدم الجاهزية.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يحتاج إلى فقيه دستوري كي يطرحه:
إذا كانت الدولة تحتاج إلى عام إضافي لاستكمال الميكنة والتجهيزات واختبار الأنظمة وتدريب المنظومة البشرية، فلماذا لم يكن ذلك معلومًا قبل أن يصبح القانون نافذًا على الورق؟
ولماذا احتاج الأمر إلى جلسة طارئة ومشروع قانون جديد لتعديل موعد حدده قانون سابق؟
ولماذا انتظرنا حتى آخر «متر» من السباق لنكتشف أن المتسابق لم يرتدِ حذاءه بعد؟
الحكومة تقول إن التأجيل ليس تعطيلًا للقانون، وإنما فرصة لاستكمال الجاهزية وضمان حسن التطبيق. وهذا تفسير معلن ينبغي أخذه في الاعتبار؛ خصوصًا أن القانون الجديد يتضمن تغييرات واسعة تستلزم بنية تقنية وإدارية وبشرية قادرة على تنفيذها في جميع أنحاء الجمهورية.
لكن السؤال الآخر يبقى قائمًا:
أليست الجاهزية جزءًا من صناعة التشريع ذاته؟
فالقانون ليس مجرد نص جميل يُطبع في الجريدة الرسمية ثم نبحث بعد ذلك عن المحاكم التي ستطبقه، والموظفين الذين سينفذونه، والأنظمة الإلكترونية التي ستستوعبه، والتجهيزات التي يحتاجها.
القانون، خصوصًا عندما يتعلق بحرية الإنسان وإجراءات القبض والتفتيش والتحقيق والمحاكمة، ليس تجربة تشغيلية يجوز أن نكتشف أثناء تنفيذها أن بعض قطع الغيار لم تصل بعد!
والأمر لا يتعلق فقط بالميكنة.
هناك أيضًا ثقافة قانونية جديدة تحتاج إلى تدريب، وأجهزة عدلية وأمنية تحتاج إلى توفيق أوضاع، ومحامون وقضاة وأعضاء نيابة وموظفون يتعاملون مع نصوص وإجراءات مستحدثة، ومنظومة كاملة ينبغي أن تعمل بانسجام في اليوم الأول لا أن تبدأ في اكتشاف مشكلاتها في اليوم الأول.
ولذلك فإن التأجيل، من حيث المبدأ، قد يكون مفهومًا إذا كان البديل هو تطبيق قانون جديد دون اكتمال أدواته.
لكن المفارقة الحقيقية ليست في التأجيل… وإنما في توقيته.
المفارقة أن الدولة التي كان عليها أن تقول منذ البداية: «لن نطبق القانون حتى نكون جاهزين»، قالت أولًا: «سنطبقه في أكتوبر 2026»، ثم قالت نحتاج إلى أكتوبر 2027».
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل كانت الأولوية يومها لصناعة قانون جاهز للتطبيق، أم لصناعة لحظة إعلان جاهزية القانون؟
لا أحد يملك ـ من هذه الوقائع وحدها ـ أن يجزم بالنية أو يفسر دوافع القرار، لكن الوقائع تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول منهج صناعة التشريع: هل يبدأ النص أولًا ثم نبحث عن القدرة على تنفيذه؟ أم تبدأ دراسة الإمكانات الواقعية، ثم يصاغ النص، ثم يُحدد موعد النفاذ على ضوء جاهزية حقيقية قابلة للقياس؟
لقد قال وزير شؤون المجالس النيابية إن العام الإضافي سيُستخدم لاستكمال الاختبارات والتجهيزات والتحقق من الجاهزية الشاملة، وإن الحكومة ترى أن هذه المهلة ضرورية لضمان التطبيق السليم.
فلنجعل أكتوبر 2027 موعدًا للجاهزية فعلًا، لا مجرد موعد جديد للتأجيل.
وليكن هذا العام عام اختبار حقيقي:
ماذا أُنجز؟
ماذا تبقى؟
ما المحاكم الجاهزة؟
ما الأنظمة التي جرى اختبارها؟
كم عدد الكوادر التي تم تدريبها؟
وما الذي سيحدث إذا فشلت المنظومة في اختبار التشغيل؟
فالدرس الأهم من هذه الواقعة ليس أن القانون أُجّل عامًا.
الدرس هو أن التشريع لا يُقاس فقط بجودة النص الذي كُتب، وإنما بقدرة الدولة على إنفاذه في الواقع.
أما أن نكتب القانون أولًا، ونحتفل به ثانيًا، ثم نبحث عن وسيلة لتطبيقه ثالثًا، ثم نكتشف قبل ساعات من نفاذه أننا نحتاج إلى عام آخر… فهذا ما يدلل وبقوة عل أن التخطيط الصحيح نائما حتى الغطيط.
فهنا لا يسع المواطن إلا أن يقول، على طريقة المثل الشعبي:
الحكومة غارقة في «مَيّة» البطيخ وللحديث بقية…

















