أُعلن عن تعليق جلسات مجلس النواب المصري دون تحديد موعد واضح للعودة، بسبب تنظيم دورة تدريبية للنواب الجدد ب الأكاديمية الوطنية للتدريب. وبينما يندرج القرار في إطاره المعلن ضمن ترتيبات تنظيمية تتعلق بتأهيل الأعضاء الجدد ؛ فإنه يثير في الوقت ذاته نقاشًا أوسع حول دلالاته السياسية والدستورية ؛ خاصة في ما يتصل بطبيعة العلاقة بين السلطة التشريعية والجهات القائمة على إعداد وتأهيل أعضاءها ؛ و حدود الاستقلال المفترض للبرلمان.

فالبرلمان الحالي وُلد في سياق انتخابي مأزوم لم يستوفِ الحد الأدنى من معايير التمثيل السياسي والعدالة الانتخابية، بدءًا من اعتماد نظام القائمة المطلقة المغلقة المهجور في معظم النظم الديمقراطية والذي سمح باختيار اقرب الي التعيين لنصف عدد اعضاء البرلمان ، مرورًا بهندسة الدوائر الفردية وما صاحب انتخاباتها من مخالفات وانتهاكات على نحو أخلّ بعدالتها ونزاهتها . وقد تُوِّج هذا المسار بسلسلة من الطعون والأحكام القضائية التي انتهت إلى إعادة الانتخابات في عدد كبير من الدوائر الفردية ؛ ما ألقى بظلال كثيفة على شرعية المجلس وسمعته العامة ؛ حتي وصفه أحد علماء السياسة المصريين أنه «برلمان سمعته تلطخت».
من هذا المنظور ؛ لا يكن التعامل مع خبر تعليق الجلسات بسبب تنظيم دورة تدريبية للأعضاء ب الاكاديمية الوطنية للتدريب بوصفه إجراءً تنظيميًا عابرًا، بل يجب قراءته في سياقه السياسي والدستوري الأوسع.
فالإشكالية لا تتعلق بمبدأ تدريب النواب الجدد في حد ذاته، بل بالجهة التي تتولى هذا «التأهيل». فـالأكاديمية الوطنية للتدريب هي هيئة اقتصادية عامة تتبع رئيس الجمهورية مباشرة، أنشئت بقرار جمهوري رقم 434 لسنة 2017، ويُشكَّل مجلس أمنائها برئاسة رئيس مجلس الوزراء، وعضوية ممثلين عن رئاسة الجمهورية ووزارات المالية والتخطيط والتعليم العالي، إلى جانب المجلس الأعلى للجامعات، وعدد من ذوي الخبرة، على أن يصدر قرار تعيين المجلس بالكامل من رئيس الجمهورية.
الدلالة السياسية هنا لا تخطئها العين: السلطة التنفيذية لا تكتفي بالتأثير على تشكيل البرلمان عبر قوانين الانتخاب وآلياتها ؛ بل تتولي بنفسها الآن عبر مؤسسة تتبع رأسها مباشرة تدريب وتأهيل أعضائه ؛ وصياغة وعيهم ؛ وتحديد الإطار المعرفي والسياسي الذي يُفترض أن يمارسوا من خلاله أدوارهم النيابية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل نحن أمام برلمان يُفترض فيه أن يكون سلطة مستقلة تمارس التشريع والرقابة على الحكومة، أم أمام مؤسسة يجري «إعدادها» مسبقًا داخل مؤسسات السلطة التنفيذية؟.
القضية، إذن لا تتعلق بدورة تدريبية أو برنامج تأهيلي ؛ بل بحدود الفصل بين السلطات ؛ وبما إذا كان البرلمان في صورته الراهنة سلطة قائمة بذاتها ؛ أم مجرد امتداد إداري وسياسي للجهة التي يُفترض أن يخضعها للرقابة والمساءلة!!!





















