حكمت قاضية أمريكية بترحيل الناشط الفلسطيني محمود خليل، رغم الجدل حول حرية التعبير، وسط استمرار القضايا القانونية المرتبطة بالقضية، في الوقت الذي أمر فيه قاضي المحكمة الجزائية وليام سيشنز الرئيسَ الأمريكي ومسؤولين كبارًا آخرين بعدم ترحيل الناشط المؤيد للفلسطينيين والطالب في جامعة كولومبيا “محسن مهداوي”، أو إخراجه من ولاية فيرمونت، بعد إلقاء القبض عليه الإثنين في مكتب الهجرة لدى قدومه لطلب الجنسية الأمريكية.
وكانت السلطات الأمريكية قد ألقت القبض على الطالب الفلسطيني بجامعة كولومبيا “محمود خليل” في الثامن من آذار/ مارس الماضي، بسبب نشاطه المناصر للقضية الفلسطينية، وهو محتجز الآن في مركز بولاية لويزيانا بانتظار ترحيله بعد حكم المحكمة. وكان مهداوي وخليل قد شاركا في تأسيس اتحاد الطلاب الفلسطينيين في الجامعة في خريف 2023. ويتمتع كلا الطالبين بإقامة دائمة قانونية.
كما اعتقل عملاء فيدراليون أمريكيون الطالبة الفلسطينية “لقاء كردية” بسبب مشاركتها في الاحتجاجات الداعمة لغزة بجامعة كولومبيا، بعد عدة أيام من اعتقال الطالب الفلسطيني “محمود خليل”. ويُعد اعتقال خليل ولقاء ومن بعده مهداوي من بين أولى الخطوات التي يتخذها ترامب -على ما يبدو- للوفاء بوعده بالسعي إلى ترحيل بعض الطلاب الأجانب المتورطين في حركة الاحتجاج المؤيدة لفلسطين في الجامعات الأمريكية.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو: “إن الأشخاص الذين شاركوا في احتجاجات عام 2024 ساهموا في تأجيج معاداة السامية في جميع أنحاء البلاد”.
وأضاف، عقب مناقشته إلغاء التأشيرات وبطاقات الإقامة الدائمة المرتبطة بالاحتجاجات الطلابية المناصرة لفلسطين: “في حال قاموا بأنشطة تتعارض مع مصلحتنا الوطنية وسياستنا الخارجية، فسنلغي التأشيرة”.
وكانت المظاهرات قد تصاعدت بصورة متزايدة في عدد من الجامعات الأمريكية ضد الحرب في غزة، وبدأت في جامعة “كولومبيا” في مانهاتن بنصب خيام واعتصام للمتظاهرين داخل الحرم الجامعي. وقد قامت نعمات شفيق، رئيسة الجامعة، وهي مصرية الأصل أمريكية الجنسية، باستدعاء الشرطة التي اعتقلت أكثر من مئة طالب نصبوا خيامًا في الحرم الجامعي وأوقفتهم. وبررت شفيق في رسالة عبر البريد الإلكتروني خطوة استدعاء الشرطة “غير العادية” بأن الظروف الراهنة استثنائية.
وبعدها نظم المئات من أعضاء هيئة التدريس بجامعة كولومبيا إضرابًا عن العمل تضامنًا مع الطلاب المتظاهرين واحتجاجًا على قرار إدارة الجامعة باستدعاء الشرطة إلى الحرم الجامعي. وعلى أثر ذلك، امتدت المظاهرات إلى أكثر من 12 جامعة أمريكية تضامنًا مع الطلاب المتضامنين في جامعة كولومبيا. وقد هدّد رئيس مجلس النواب وقتها مايك جونسون باستدعاء الحرس الوطني إلى الجامعات التي تعاني -وفق قوله- من “فيروس معاداة السامية”.
ما حدث في الجامعات الأمريكية وقتها هو أمر طبيعي؛ فأمريكا بلد الحريات والديمقراطيات والتعبير عن الرأي وحقوق الإنسان. كما كان يحكمها وقت خروج هذه المظاهرات الحزب الديمقراطي برئاسة بايدن، وهو حزب يساري يؤمن بحرية التعبير والخروج في المظاهرات. لكن يبقى السؤال: ما الذي جعل هذه الجامعات تصمت لمدة سبعة أشهر من المجازر في غزة دون أن تتحرك؟
أعتقد أن الأمر لم يكن يهدف إلى ما كان يحدث من حرب إبادة وقتها في غزة، والتي كانت قد مضى عليها أكثر من سبعة أشهر عند اندلاع هذه المظاهرات، بقدر ما كانت جزءًا من لعبة انتخابية بتحريك المعارضة لصالح ترامب ضد بايدن، في محاولة من ترامب للتأثير على شعبية بايدن وإظهار صورة سلبية للحزب الديمقراطي أمام الناخب الأمريكي للاستفادة منها في الانتخابات.
كان الهدف إظهار أن المبادئ التي يتشدق بها الحزب الديمقراطي، من الدفاع عن الحريات والحرية في إبداء الرأي والمشاركة في المظاهرات، والتي هي من أساسيات الدستور الأمريكي، قد باتت في خطر نتيجة سياسات الحزب الديمقراطي الحاكم وقتها، خاصة مع خروج صور للإعلام الأمريكي والعالمي تظهر دخول شرطة مكافحة الشغب إلى الحرم الجامعي واعتدائها على الطلاب وتوقيفهم وفض الاعتصام داخل جامعة كولومبيا بالقوة المفرطة، بل وصل الأمر حد توقيف أساتذة جامعات. وقد أثار هذا حفيظة طلاب الجامعات الأمريكية الأخرى مما ساعد على انتشار المظاهرات في باقي الجامعات احتجاجًا على دخول الشرطة الحرم الجامعي وتضامنًا مع الطلاب المعتقلين المناصرين لغزة.
كما أساءت وقتها نعمات شفيق، رئيسة جامعة كولومبيا، وهي مصرية الأصل مسيحية صهيونية، من حيث أرادت أن تُحسن بتقديمها فروض الولاء والطاعة للصهيونية باستدعائها الشرطة لفض الاعتصام بالقوة؛ فانقلب السحر على الساحر. وقد استغل الحزب الجمهوري هذا الأمر لصالحه وساعد على امتداد شرارة المظاهرات إلى الجامعات الأمريكية الأخرى نتيجة سوء تصرفها، وطالب الجمهوريون في مجلسي النواب والشيوخ، بالإضافة إلى عضو ديمقراطي واحد على الأقل في مجلس الشيوخ، باستقالة شفيق.
ويبقى السؤال الثاني المهم: هل أثرت هذه المظاهرات على ما كان يحدث للفلسطينيين في غزة وقتها؟
أعتقد أنها لم يكن لها تأثير كبير على مجريات الحرب في غزة، لأن صانعي القرار في البيت الأبيض لم يتراجعوا عن استمرار دعمهم لإسرائيل قيد أنملة، بل ما زالوا مستمرين في دعمها حتى النهاية…
فحرب غزة هي حرب أمريكية بأداة إسرائيلية، هدفها تدمير غزة بالكامل وتهجير سكانها خارج القطاع، وقد يمتد هذا الأمر لسنوات.
بل على العكس، قامت الإدارة الأمريكية وقتها بالوقوف بقوة ضد هذه المظاهرات ومنع انتشارها، وشاهدنا اعتقال أكثر من 500 من الطلاب المشاركين فيها، بل تطور الأمر إلى اعتقال أساتذة جامعات، مما يؤكد أن الإدارة الأمريكية كانت ماضية في قرارها، وأن تأثير هذه المظاهرات كان محدودًا على ما حدث في غزة، لكونها لا تعدو أن تكون أداة في حرب انتخابية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي ممثلَين في ترامب وبايدن، لتقليل شعبية بايدن وتشويه صورة الحزب الديمقراطي بإظهاره مخالفًا للدستور الأمريكي، مانعًا للحريات في أمريكا، مستعينًا بالشرطة لاقتحام الجامعات، مما يصدر صورة سلبية عن أمريكا إلى العالم الخارجي.
وقد ظهرت نوايا ترامب الآن بعد انتهاء لعبة الانتخابات، بإصدار أوامر باعتقال وترحيل الطلاب المتورطين في الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين في الجامعات الأمريكية، والتي كانت وقتها تتم بتشجيع من الحزب الجمهوري لاستخدامها كورقة انتخابية لصالحه، لتشويه صورة الحزب الديمقراطي الذي يتشدق بالحريات والدفاع عن الديمقراطية، وإظهاره بمظهر المناهض للحريات وقامع المظاهرات.
والآن، وقد تم له ما أراد من هزيمة الحزب الديمقراطي، فقد ظهر بوجهه الحقيقي، وبدأ في اعتقال الطلاب الذين شاركوا في هذه المظاهرات، والسعي في ترحيلهم خدمة للصهيونية، بعد أن استطاع وقتها تشويه صورة الحزب الديمقراطي خدمة لمصالحه الانتخابية، وفاز في الانتخابات مستغلًا القضية الفلسطينية والتعاطف الشعبي كورقة انتخابية.
وانتهت اللعبة.

















