في كل مرة تشتعل فيها مواجهة عسكرية بين إسرائيل وأحد خصومها، يتسابق العالم إلى رفع شعارات “حماية المدنيين”، ويعلو صوت الإدانات إذا ما طالت الصواريخ أو الغارات منشآت داخل المدن الإسرائيلية، ولو كانت قريبة من قاعدة عسكرية أو من بطارية دفاع جوي. لكن أحدًا لا يتوقف ليسأل: من بدأ؟ من جعل المستشفيات والمدارس والملاجئ أهدافًا مشروعة بالحرب أولًا؟ ومن حوّل كل شبر في الأراضي المحتلة إلى قاعدة عسكرية متقدمة؟
عندما تُقصف الحياة من جذورها
لا يمكن للعالم أن يتباكى على إصابة مدرسة في تل أبيب أو مستشفى في حيفا، بينما كان صامتًا — بل ومتواطئًا — عندما ضربت إسرائيل:
- مستشفى الشفاء في غزة، المركز الطبي الأكبر في القطاع، على مدى شهور، تحت قصف متكرر أدى إلى مئات القتلى والجرحى.
- مدارس الأونروا، التي تحوّلت إلى ملاجئ للنازحين، استهدفتها إسرائيل مرارًا، كما حدث في مدرسة الفاخورة.
- مستشفى الهلال الأحمر الإيراني في قلب طهران، الذي تعرض لقصف إسرائيلي مباشر مؤخرًا.
- مبنى الإذاعة والتلفزيون الإيراني الذي تم استهدافه أيضًا ضمن العدوان الأخير.
ومنذ 7 أكتوبر 2023، لم تترك إسرائيل شبرًا في غزة إلا وسوّته بالأرض، حتى بات القطاع كومة من الركام، وفقد عشرات الآلاف حياتهم، أكثرهم من الأطفال والنساء. ومع ذلك، لم نسمع كلمة شجب حقيقية، ولا صوتًا عالميًا يعادل حجم المجازر. بل كان الصمت هو الجواب، أو الدعم العسكري والسياسي المباشر.
كل شبر في إسرائيل.. قاعدة عسكرية
ينبغي أن يعرف الرأي العام العالمي أن إسرائيل ليست فقط “دولة”، بل ثكنة عسكرية مقنّعة. من تل أبيب إلى عسقلان، تنتشر بطاريات “القبة الحديدية” فوق أسطح الأبنية السكنية، وتُخزن الذخائر في الأحياء المدنية، وتُزرع أنظمة القيادة والتحكم في قلب المدن. في الواقع، لا توجد “منشأة مدنية خالصة” في إسرائيل، وكل موقع فيها، حسب العقيدة العسكرية الصهيونية، يمكن أن يتحوّل إلى موقع قتال خلال دقائق.
شراكة في الدم
ما فعلته إسرائيل طوال السنوات الماضية، لم يكن ليتم لولا الدعم الأمريكي الكامل، والصمت الأوروبي المتواطئ. بل كان الغرب، من واشنطن إلى برلين إلى باريس، شريكًا مباشرًا في سفك دماء العرب والمسلمين، ليس فقط في غزة، بل في بيروت ودمشق وطهران وصنعاء.
إن ما حدث في غزة وحده — من أكتوبر 2023 حتى اليوم — يمثل علامة فارقة في تاريخ البشرية الحديث، إبادة منظمة في ظل سُباتٍ أخلاقي عالمي. ومع ذلك، لم تتحرك محكمة، ولا تراجع مجلس، ولم تُفرض عقوبات. لكنهم يصرخون فجأة عندما يُصاب مستوطن صهيوني قاتل، أو تُستهدف منشأة إسرائيلية بُنيت فوق أرض مغتصبة.
أي نفاق أعظم من هذا؟
من يزرع النار لا ينجو من الاحتراق
إن ما يحدث اليوم هو ارتداد للنار التي أشعلتها إسرائيل منذ عقود، ليس فقط في غزة، بل في بيروت، دمشق، بغداد، طهران، وكل بقعة ناهضت مشروعها. إن من شرب دماء المدنيين، لا يحق له أن يصرخ إذا لُطخ قميصه باللون الأحمر.
بل إن مجرد مطالبة العالم بـ”التنديد” أو “الشجب” لضرب منشآت إسرائيلية، دون التوقف أولًا عند آلاف المجازر الإسرائيلية الموثقة، هو انحطاط أخلاقي يجب أن يُقاوم لا أن يُسترضى.
حين يتحدث الجلاد عن القانون
اليوم فقط، وبعد استهداف مستشفى سوروكا في بئر السبع داخل الأراضي المحتلة، خرج وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس ليقول إن “خامنئي سيُحاسب، وإن استهداف المدن والمستشفيات جريمة حرب.”
لكن المشهد كله يصبح عبثيًا حين ندرك أن إسرائيل نفسها قصفت بالأمس مستشفى الهلال الأحمر الإيراني في طهران — عاصمة دولة ذات سيادة — في سابقة خطيرة تضرب عرض الحائط بكل الأعراف الدولية.
فهل نسي كاتس أن إسرائيل، منذ شهور، دمرت عشرات المستشفيات في غزة، من الشفاء إلى القدس إلى ناصر، وقصفت مدارس الأونروا، واستهدفت حتى سيارات الإسعاف؟
هل نسي أن “أخلاقيته المزعومة” لم تُحرك ساكنًا حين أُبيدت عائلات بأكملها تحت أنقاض منازلها، وحين سُحقت أجساد الرضع في الحاضنات؟
أي وقاحة هذه التي تجعل الجلاد يُحاضر في الأخلاق، ويصنف من يرد عليه بأنه مجرم حرب، بينما سجله الأسود يفيض بكل جرائم القرن؟
لا نريد الشجب.. نريد العدل
لسنا نطالب العالم بأن يشجب الضربات الإسرائيلية على المدنيين، فقد مللنا شجبهم الفارغ. لكننا نطالبه بالصمت على الأقل حين تنتقل النيران إلى أرض من أشعلها. من الآن فصاعدًا، كل صاروخ يسقط على منشأة داخل إسرائيل هو مجرد ارتداد للعدوان، لا أكثر ولا أقل.
لا تندبوا الموت في تل أبيب، إن كنتم صمتّم عن المقابر الجماعية في رفح،
ولا تتباكوا على صهيوني مجرم إن كنتم قد مررتم فوق دماء أطفال غزة بلا خجل.





















