لم تكن قضايا التحرر الوطني عبر التاريخ معارك تُخاض بالتواري أو بمغادرة الميدان؛ فالانسحاب من المواجهة، مهما أُلبس من مسوح الدبلوماسية وثياب الرفض الشكلي، يظل في جوهره ثغرة ينفذ منها الباطل ليملأ الفراغ، ويعتلي المنصات، وينثر أكاذيبه دون رادع يخنقه في مهده. وحين يتبجح مجرم حرب، ملطخة يداه بدماء الآلاف، ليصف المقاعد الخالية بأن أصحابها “جبناء”، ويطالب بقية من أسماهم “الجبناء” بالانسحاب، فإن الرد الثوري الحاسم لا يكون بترك الساحة له ليتسيّد المشهد، بل بالبقاء، والاشتباك المباشر، وتلقينه درساً في معنى المواجهة الحقيقية التي تكسر غطرسته وتسقط صلفه أمام كاميرات العالم أجمع.
إن هذا الكيان القائم على المجازر والاستيطان لم يرتدع يوماً ببيانات الشجب ولا بإخلاء القاعات؛ بل إنه يتغذى على الفراغ ليمارس استعراضاته الرخيصة ويصنع لنفسه شرعية زائفة أمام الرأي العام الدولي. الرد العقابي الرادع الذي يستحقه هذا الاحتلال هو أن تتحول كل قاعة يدخلها، وتحت أي قبة كانت—سواء في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو داخل أروقة مجلس الأمن—إلى محكمة إدانة شعبية مفتوحة، تطوقه وتلاحقه في كل لحظة، وتُظهر وجهه القبيح المتجرد من كل إنسانية.
الحضور كحصار: رفع لافتات الإبادة وأمر القبض الدولي
المواجهة الثورية تعني تحويل مقاعد المنظمات الدولية إلى متاريس اشتباك؛ ألا يجد المحتل أمامه فراغاً يتنفس فيه، بل جداراً متراصاً من الحقائق الصادمة:
ملاحقة القاتل بصور ضحاياه: رفع صور المجازر وأشلاء الأطفال والدمار الذي خلفته آلة الحرب في غزة والقدس وكل شبر محتل، لتكون هذه المشاهد هي الخلفية الحقيقية لكل لقطة تُلتقط له، بدلاً من وقفته المصطنعة خلف ميكروفونات العالم.
لافتات «الإبادة الجماعية»: إشهار لافتات صريحة تدمغ حربه بجريمتها الحقيقية: “إبادة جماعية” و”جرائم ضد الإنسانية”، بلغات العالم الحية، لإسقاط كل محاولات التضليل والالتفاف اللغوي التي تروج لها ماكينته الإعلامية.
مطلوب للعدالة كمجرم حرب»: رفع صورة نتنياهو الشخصية مختومة بعبارة “مطلوب للعدالة”، ومطبوعة بأوامر المحاكم الدولية، لتأكيد حقيقته كطريد هارب من القانون الدولي والعدالة الإنسانية، وليس كرجل دولة يُستمع إليه.
العمل الجماعي المنسق: شلّ الخطاب ومنعه من إتمام جملة واحدة
إن تحطيم كبرياء المحتل لا يتحقق بالصمت والانتظار، بل بعمل جماعي منظم، منسق، ومدروس، يشل قدرته على إلقاء خطابه من الأساس:
قطع حبل الأكاذيب: ألا يُمكّن من استكمال حديثه، بل وألا يُسمح له بإنهاء جملة واحدة بهدوء وسلام؛ فكل كلمة تضليل يجب أن تجابه بصيحة غضب وهتاف استهجان يعلو على صوته، وكل كذبة يجب أن تُقابل برفع وثيقة إدانة أمام عينيه.
تجريد المنصة من هيبتها: تحويل دقائق خطابه إلى أطول وأقسى محنة يمر بها في حياته السياسية؛ بحيث يرى أمامه طوفاناً من الرفض المنظم الذي يُربك حساباته، ويُفقده اتزانه، ويُجبر وسائل الإعلام العالمية التي تنقل الحدث على بث مشهد حصاره وإفشاله بدلاً من تصدير ادعاءاته.
إفشال الاستعراض: حين يتحدث أمام قاعة تقاطعه بلا هوادة وتملأ الأفق بصور جرائمه، يتحول خطابه إلى إقرار علني بعزلته وسقوطه الأخلاقي، وتتحول منصته إلى قفص اتهام يُحاكم فيه مباشرة.
رسالة إلى الشارع العربي: من الانسحاب إلى الهجوم المنسق
إن الرسالة الواجب ترسيخها في وجدان الشارع العربي وأحرار العالم هي أن عقيدة التراجع والهروب يجب أن تُدفن إلى غير رجعة. الهجوم المنظم هو السبيل الوحيد لإسقاط مشاريع الاستكبار؛ فالعدو الذي يصف المعارضين بالجبناء هو ذاته الذي يرتجف حين يواجه عيوناً ثابتة لا ترمش، وأيادٍ ترفع الحقيقة في وجهه دون وجل.
المواجهة قدر مستمر؛ تبدأ من الميدان المقاوم على الأرض، وتمتد إلى كل محفل سياسي، ومنصة إعلامية، ومؤسسة دولية. لن نترك للاحتلال شبراً واحداً ليرتاح فيه، ولن نمنحه ترف الخطاب الهادئ تحت أي قبة في العالم. واجب الأمة اليوم هو الانتقال من ردود الفعل العاجزة إلى الفعل الهجومي المنسق، ومحاصرة مجرمي الحرب في كل زاوية، حتى يدرك هذا الكيان الغاصب أن عهد التبجح قد ولى، وأن صرخة الحق ودماء الشهداء ستلاحقه حتى إسقاط غطرسته واقتلاع ظلمه من جذوره.


















