أكد عثمان مصطفى، عضو الهيئة العليا لحزب العدل والقيادي العمالي، أن حماية حقوق العمال لا تتعارض مع جذب الاستثمارات أو دعم القطاع الخاص، بل تمثل أحد الركائز الأساسية لبناء بيئة عمل مستقرة وقادرة على تحقيق الإنتاج والاستمرار، مرحبًا بإطلاق القواعد العامة للائحة تنظيم العمل في منشآت القطاع الخاص، باعتبارها خطوة مهمة لاستكمال المنظومة التنفيذية لقانون العمل رقم 14 لسنة 2025.
وقال مصطفى خلال تصريحات خاصة لـ«الحرية»، إن القواعد الجديدة، بما تتضمنه من تنظيم للعلاقة بين العامل وصاحب العمل وضمان للتوازن بين الحقوق والواجبات، تمثل تطورًا إيجابيًا في سوق العمل، مشددًا في الوقت نفسه على أن نجاح أي قانون لا يقاس بمجرد صدور نصوصه، وإنما بمدى انعكاسها على حياة العاملين داخل مواقع العمل.
القانون الحقيقي يبدأ من مكان العمل
وأوضح القيادي العمالي أن العامل المصري لا يحتاج إلى نصوص قانونية فقط، وإنما إلى أن يلمس أثر القانون في تفاصيل حياته اليومية، بدءًا من الأجر وساعات العمل، مرورًا بالإجازات والسلامة المهنية، وصولًا إلى التدريب والترقي والحماية من التمييز، والحصول على معاملة تحفظ كرامته الإنسانية.
وأكد أن إصدار القواعد العامة للائحة تنظيم العمل يجب أن يكون بداية لمرحلة جديدة، تنتقل خلالها الدولة من وضع القواعد والتشريعات إلى ضمان تنفيذها فعليًا، من خلال التفتيش والرقابة والمتابعة المستمرة.
وشدد مصطفى على أن الاستثمار المستدام لا يقوم على تقليل تكلفة العمالة، وإنما على زيادة قيمة العمل ورفع الإنتاجية، مؤكدًا أن المنشأة التي توفر للعامل بيئة آمنة وعادلة وتحترم حقوقه تكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والاستمرار والمنافسة.
ورحب بما تضمنته القواعد الجديدة من إجراءات لمواجهة العمل الجبري والسخرة، ومنع احتجاز مستندات العمال، والتصدي للتحرش والتنمر والعنف والتمييز، إلى جانب دعم تكافؤ الفرص وتمكين المرأة ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة، وحماية الأجور وضمان المساواة في الأجر، وتنظيم أنماط العمل الحديثة.
وأشار إلى أن وضع قواعد واضحة للتحقيق والجزاءات، مع حماية الحقوق والمزايا التي اكتسبها العامل، يمثل خطوة مهمة نحو إقامة علاقة عمل أكثر عدالة وتوازنًا.
وأضاف أن المطلوب هو أن يكون كل عامل على دراية كاملة بحقوقه وواجباته، وأن يعرف صاحب العمل كذلك حدود سلطاته والتزاماته، بما يحول دون إساءة استخدام السلطة أو نشوب نزاعات بسبب غياب القواعد الواضحة.
رقابة حقيقية وآليات سريعة لحماية العمال
وشدد عضو الهيئة العليا لحزب العدل على ضرورة تطوير منظومة التفتيش والرقابة بما يمكنها من الوصول الفعلي إلى مواقع العمل، واكتشاف المخالفات والتعامل معها بجدية، إلى جانب توفير آليات سريعة وفعالة لاستقبال شكاوى العمال وحمايتهم من أي إجراءات انتقامية بسبب مطالبتهم بحقوقهم القانونية.
وأكد أن النصوص، مهما بلغت قوتها، لن تكون كافية ما لم تساندها أجهزة رقابية قادرة على تنفيذها، ومنظومة واضحة للمساءلة تضمن عدم تحول القواعد التأديبية والتنظيمية إلى أدوات للضغط على العامل أو الانتقاص من حقوقه.
ودعا مصطفى إلى تعزيز الحوار الاجتماعي باعتباره أحد أهم الأدوات اللازمة لتحقيق الاستقرار في سوق العمل، مؤكدًا أهمية وجود تمثيل حقيقي لصوت العمال عند مناقشة التشريعات والسياسات والقرارات التي ترتبط بمستقبلهم.
وقال: «نحن مع حق العامل في الأجر العادل والعمل اللائق والأمان الوظيفي والسلامة المهنية والحماية الاجتماعية والتدريب والترقي، ومع حقه في أن يعمل في بيئة تحفظ له احترامه وكرامته».
وأكد أن أي ممارسة تنتقص من كرامة العامل أو تتعامل معه باعتباره مجرد رقم داخل المنشأة يجب رفضها، مشددًا على أن العامل المصري شريك أساسي في الإنتاج والتنمية وبناء الدولة.
ووجه القيادي العمالي رسالة إلى أصحاب الأعمال والمستثمرين، مؤكدًا أن الدفاع عن حقوق العمال لا يعني بأي حال معاداة الاستثمار أو الوقوف في مواجهة القطاع الخاص.
وقال: «نحن مع الاستثمار، ومع القطاع الخاص، ومع اقتصاد قوي قادر على خلق فرص العمل».
وأضاف: «لكننا نؤمن أن الاستثمار الذي يحترم العامل هو الاستثمار الأكثر استقرارًا وقدرة على الاستمرار»، موضحًا أن نجاح صاحب العمل وحقوق العامل ليسا طرفين متناقضين، وإنما العلاقة المتوازنة بينهما هي الطريق إلى زيادة الإنتاج وتحقيق النمو الحقيقي.
ودعا مجتمع الأعمال إلى النظر إلى القواعد الجديدة باعتبارها فرصة لإعادة تنظيم بيئة العمل وبناء مؤسسات أكثر انضباطًا وقدرة على المنافسة، وفي الوقت نفسه أكثر احترامًا للإنسان.
وأكد مصطفى أن الترحيب بإطلاق اللائحة لا يعني الاكتفاء بإصدارها، وإنما يتطلب انتظار مرحلة التطبيق الفعلي، من خلال رقابة جادة وتفتيش فعال وتوعية واسعة للعاملين وأصحاب الأعمال، إلى جانب استمرار الحوار الاجتماعي.
وطالب بوضع آلية واضحة لقياس مدى التزام المنشآت بتطبيق القواعد الجديدة، مع اتخاذ إجراءات حاسمة ضد أي انتهاكات لحقوق العمال، وضمان ألا تتحول الإجراءات التأديبية إلى وسيلة للضغط على العامل أو حرمانه من حقوقه.
ودعا عضو الهيئة العليا لحزب العدل إلى استمرار تحديث التشريعات والسياسات العمالية بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، خاصة مع انتشار العمل المرن والعمل عن بُعد والتحول الرقمي في مختلف القطاعات.
وأكد أن سوق العمل لم يعد ثابتًا، وأن طبيعة الوظائف وأشكال التشغيل تتغير بصورة متسارعة، وهو ما يفرض ضرورة تطوير التشريعات بصورة مستمرة لحماية حقوق العامل، بالتوازي مع عدم وضع قيود تعرقل التطور أو تحد من قدرة القطاع الخاص على النمو.
وأكد أن بناء الجمهورية الجديدة لا يرتبط فقط بالمشروعات والاستثمارات، وإنما يتطلب كذلك بناء إنسان يشعر بأن القانون يحميه، وأن العمل يصون كرامته، وأن الدولة تقف إلى جواره عندما يتعرض حقه للانتهاك.
وأكد أن مصر أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء علاقة أكثر توازنًا بين العامل وصاحب العمل والدولة، مشددًا على أن حماية العامل لا تعني الوقوف ضد الاستثمار، وأن الأجر العادل لا يتعارض مع زيادة الإنتاج، وأن التنظيم النقابي لا يعني معاداة أصحاب الأعمال، وأن الرقابة الجادة ليست عائقًا أمام الاستثمار.
وقال إن «العدالة والاستقرار والانضباط وسيادة القانون هي الشروط الحقيقية للاستثمار المستدام والإنتاج».
وشدد في ختام تصريحاته على أن حقوق العمال التي يكفلها القانون يجب أن تتحول إلى واقع ملموس داخل مواقع العمل، مؤكدًا أن كرامة العامل خط أحمر، وأن الاستثمار الحقيقي هو الذي يبني اقتصادًا قويًا دون أن يضع الإنسان وحقوقه وكرامته في مواجهة مع التنمية.




















